الجمعة، 7 سبتمبر 2012

الفاروق عمر بن الخطاب فى مكتب المرشد العام . (من القسم الاقتصادى)


                                             بسم الله الرحمن الرحيم
فى حلم من أحلام اليقظة رأيت وكأن سيدنا عمر بن الخطاب يزور المرشد العام للإخوان المسلمين , حيث قد اختار أن يزور قيادة تلك الجماعة التى كثيرا ما أسدت خدمات جليلة لدينها ولوطنها , هو كما صورته الكتب والمراجع: قوى البنية , خفيف الحركة , بسيط فى اهتمامه بمظهره وثيابه , وقد دار بينهما الحوار التالى وهما يشربان الشاى :
قال المرشد العام : إننا كما تعلمون قد حصلنا على أغلبية فى مجلس الشعب , هذا بالنسبة لنا كإخوان مسلمين , ونتطلع إلى حالة من التآلف بيننا وبين باقى الأحزاب الإسلامية , مما سيخلق كتلة نيابية كبيرة , ستكون بداية لأن يكون رؤوس السلطات الثلاث من الإسلاميين فيما بعد , والناس يتطلعون منا إلى انجازت سريعة يلمسون نتائجها على أرض الواقع , خاصة فى المجال الاقتصادى , فما تقترحونه علينا من إجراءات عمرية كى نحسن الوضع الاقتصادى ولو قيلا؟
قال سيدنا عمر : بداية ينبغى أن نفهم جيدا أن أى نقص أو اى خلل فمرده أساسا إلى سوء التوزيع , فإن كان هناك أناس يعانون من الجوع , فثق أن هناك آخرون يعانون من التخمة , وإن كانت هناك بطالة فثق أن هناك من يعملون بأكثر من وظيفة , وإن كانت الرواتب لا تكفى الناس , فتأكد أن ذلك راجع لأن هناك من يتقاضون الملايين كل شهر , مهمتكم إذا أردتم نتائج سريعة وملموسة أن تصححوا الأوضاع , وسأتكلم فى هذا بشيئ من التفصيل :
رئيس الجمهورية عندكم فيم يسكن؟
قال المرشد العام : فى القصور الرئاسية.
قصور؟ وليست قصرا واحدا؟ إذن لقد فاق رئيس الجمهورية المصرى كسرى وقيصر , حيث كان لكل منهم قصر واحد فقط .
قال المرشد العام : وما ترى إزاء هذا الوضع؟
قال سيدنا عمر : لا يليق برئيس الجمهورية أن يسكن القصور بينما هناك ملايين من مواطنيه من يسكنون العشش والأكواخ , والوضع الصحيح لكم أن يقام مزاد علنى عالمى لإدارة تلك القصور إدارة فندقية كاملة , بحيث تتم الاستفادة من كل شيئ فيها على حده , الغرف , والقاعات , والمسارح , والمتاحف , والحدائق , وكل شيئ , بحيث توكل إدارة تلك القصور إدارة فندقية إلى إحدى الشركات الكبرى العاملة فى هذا المجال , مع المحافظة على كل ما فيها , ويكون العقد محدد المدة قابل للتجديد , وكل عائدات تلك القصور توجه إلى تحسين أحوال ساكنى العشش والقبور , أما رئيس الجمهورية فتكفيه شقة لسكنه ومكتب لعمله .
قال المرشد العام : وإذا حل رئيس الجمهورية ضيفا على أحد المحافظات أين سينزل بعدما استأجرت الشركة استراحته الرئاسية؟
قال سيدنا عمر : يكفيه جناح فى استراحة المحافظ , لكى يمضى فيه مدة زيارته للمحافظة .
قال المرشد العام : هل لديكم شيئ آخر غير القصور الرئاسية؟
قال سيدنا عمر : بل القصور الرئاسية هى البداية , فما بعدها أكثر بكثير.
قال المرشد العام : مثل ماذا؟
قال سيدنا عمر : الحالة العامة للاقتصاد مرتبطة بالقيمة السوقية لعملة البلد , ومعروف أن الجنيه المصرى قيمته السوقية متدنية.
قال المرشد العام : وما ترى لرفع القيمة السوقية للجنيه المصرى ؟
قال سيدنا عمر: أن يدخل الجنيه المصرى فى كل ما يحتاجه الخارج من مصر , مثل قناة السويس , والبترول والصادرات الزراعية , وكل ما يحتاجه الخارج من مصر لابد من تحديد نسبة للجنيه المصرى فيه , وليبدأ ذلك بنسبة معقولة ومحسوبة جيدا كى لا تفاجأوا بنتائج عكسية .
قال المرشد العام : وهل لديكم شيئ آخر لرفع قيمة الجنيه المصرى؟
قال سيدنا عمر : نعم , أنتم تستوردون أشياء لا داعى لها , وتنفقون عليها المليارات سنويا , كل ما هو موجود فى مصر يُمنع منعا باتا أن يستورد نظيره من الخارج , ولتبدأ شركات الاستيراد بفتح مصانع لها هنا فى مصر مثلما عملت الشركة السعودية التى بدأت عملها بالاستيراد من الصين ثم هاهى تمتلك مصانعها العاملة على أرض مصر , ومثلما عملت شكات السيارات التى بدأت عملها بالاستيراد من الخارج , ثم بعد ذلك أنشأت مصانع للتجميع هنا فى مصر .
قال المرشد العام : وهل لديكم شيئ آخر لرفع قيمة الجنيه المصرى؟
قال سيدنا عمر : لابد من فك ارتباطكم بالدولار الأمريكى وتبعيتكم للاقتصاد الأمريكى , وليكن ارتباطكم بسلة عملات قوية , وحجم صادراتكم الزراعية لأوروبا كل عام سيساعدكم فى هذا الاتجاه , وهناك إجراء كنتم تعتزمون عمله فى التسعينيات , لكن ربما يكون هو سبب إقالة الدكتور عاطف صدقى.
قال المرشد العام : وما هو؟
قال سيدنا عمر : فى فترة التسعينيات حدث كشف كبير عن عرق ذهب فى مكان ما من الأراضى المصرية , وقيل وقتها أن هذا الذهب ستصنع منه جنيهات مصرية ذهبية , لكى يكون الاختياطى النقدى لمصر من الجنيهات الذهبية , مما سيرفع قيمة الجنيه المصرى إلى السماء السابعة!
قال المرشد العام : وماذا تقترحون لحل مشكلة البطالة؟
قال سيدنا عمر : البطالة ليست فى مجال بعيد عن المجال العام وهو المشكلة الاقتصادية , فلو كان الاقتصاد قويا فيمكنكم بكل أريحية أن تعطوا للناس رواتب وهم جالسون فى بيوتهم مثلما كنت أفعل أنا , ويمكنكم أن تتحملوا عن بعض الفئات بعضا من إلتزاماتها أو تكاليف تطلعاتها مثلما فعل حفيدى عمر بن عبدالعزيز الذى أغنى الناس فى عهده لدرجة أن موظفيه كانوا يسيرون فى الشوارع ينشدون من يأخذ منهم الأموال ولم يكونوا يجدون من يأخذها منهم , وهو أيضا الذى زوج كل الشباب فى عهده على حساب الدولة , ومكن كل من يريد الحج من أن يحج على حساب الدولة , إذا المعيار هو قوة الاقتصاد وليست وجود وظائف من عدمه , ولنعد إلى ما قلناه فى البداية , وهو أنه مادامت هناك أزمة فى شئ ما , فلابد أن هناك من يحصلون على أكثر من حقهم من هذا الشيئ , تقولون أن لديكم بطالة , إذن ابحثوا أولا عن الذين يعملون بأكثر من عمل ويتقاضون أكثر من أجر وهم عندكم كثير.
قال المرشد العام : لدينا قسم فى الجماعة للمهنيين , والكثير منهم يعملون بأكثر من عمل , فهم موظفون ومهنيون فى نفس الوقت .
قال سيدنا عمر : لا أقصد هؤلاء , ولكنى أقصد من يعملون بأكثر من عمل حكومى ويتقاضون أكثر من راتب من خزانة الدولة , ألم يكن زكريا عزمى يعمل بأكثر من خمسة وخمسين وظيفة فى وقت واحد؟ ألا يتقاضى أعضاء المجالس النيابية والمحلية رواتبهم من المجالس ومن عملهم الأصلى فى وقت واحد؟ هب أن وزيرا نجح فى انتخابات مجلس الشعب , فهو يتقاضى راتبا على عمله كوزير , ويتقاضى راتبا آخر على عمله كنائب فى مجلس الشعب , ويتقاضى راتبا ثالثا على عمله كأستاذ للجامعة , ويتقاضى راتبا رابعا على موقعه فى هذا الحزب أو ذاك , ويتقاضى راتبا خامسا وسادسا , وهكذا هى منظومة الرواتب عندكم , وهذا ما يوجد الأزمة , وليتهم يؤدون عملا حقيقيا يستحقون عليه ما يتقاضونه من رواتب .
قال المرشد العام : إذن نريد قولا عمريا فصلا يحل مشكلة البطالة سريعا .
قال سيدنا عمر : ينبغى أولا ألا يعمل أى موظف حكومى بأكثر من عمل وبالتالى ألا يتقاضى أى أحد من خزانة الدولة إلا راتبا واحدا فقط , فإن كان عضوا فى مجلس الشعب فليأخذ إجازة بدون مرتب من عمله الأصلى , وإن كان وزيرا فلا يحق له أن يصبح عضوا بالمجلس , وهكذا هو راتب واحد فقط تدفعه خزانة الدولة لكل من يعمل بعمل ما ويؤدى وظيفة ما , خاصة أن من يشغل أكثر من وظيفة فى وقت واحد هو فى الحقيقة لا يعطى كما ينبغى فى أى منهما واسألنى أنا.
قال المرشد العام : وهل هناك شئ يتعلق بالرواتب نفسها ؟ أى المبالغ التى تدفعها خزانة الدولة؟
قال سيدنا عمر : أعلم أن هناك من يتقاضون راتبا شهريا فى حدود مائة جنيه , وهذا طبقا للقاعدة العامة التى سبق وأن قلتها لك معناه أن هناك من يتقاضون رواتب مرتفعة جدا ربما لا تتناسب مع العطاء المهنى الذى يعطونه , لديكم مجلس قومى مختص بالأجور , ينبغى أن يظل هذا المجلس فى حالة انعقاد دائم حتى يخرج بتوصية يقول فيها أن أعلى راتب فى الدولة لا ينبغى أن يزيد بأى حال من الأحوال على مبلغ كذا , وليكن فى حدود أربعين ألف جنيه وهو راتب رئيس الدولة , وأى موظف فى الدولة فراتبه أقل من ذلك , هذه هى رواتب الموظفين فى دولة تريد أن تنهض باقتصادها وتقوم على ساقيها مرة أخرى , وعندما تتحسن الأحوال تزيد معها المرتبات وهكذا , فمن يريد أن يعمل فى الجهاز الإدارى للدولة أو فى أى عمل تدفع الدولة مرتبه فهذه هى الرواتب المعلومة سلفا , من يريد أن يعمل فأهلا به , ومن لا تعجبه تلك الرواتب فليبحث له عن عمل فى القطاع الخاص , لكن لا يمكن أن يكون هناك من يتقاضون الملايين أو مئات الألوف شهريا وهناك أيضا من يتقاضون مائة جنيه فهذا وضع لا يُتصور .
قال المرشد العام : وكيف يمكننا أن نجذب الاستثمارات بحيث نوفر فرصا للعمل؟
قال سيدنا عمر : لن أقول لكم لا تسعوا لجذب الاستثمارات بالطرق المألوفة عندكم فى هذا المجال , اسعوا اجذب الاستثمارات , لكن حتى إن لم تسعوا لجذبها فاطمئنوا , ستأتى الاستثمارات من نفسها فأنت بطبعكم بلد جاذب للبشر على اختلاف اهتماماتهم الاستثمارية أو السياحية أو أى شيئ , أنتم بلد مغناطيسى , ما عليكم فقط إلا أن تعدوا مناخا جاذبا للاستمار عن طريق إعداد قوانين وأليات سهلة وسريعة لإتمام كل ما يتعلق بإجراءات عمل المستثمرين , وقوموا بتشجيع المستثمرين المصريين أكثر مما يحدث الآن , فما معنى أنكم تعطون الوليد ابن طلال مائة ألف فدان لم يزرع عُشرها , وفى نفس الوقت تضيقون على مستثمرى وادى النطرون الذين أخذوا عدة آلاف من الأفدنة زرعوها كلها وجعلوها مصدرا هاما من مصادر العملة الصعبة ؟
قال المرشد العام : هذا الكلام سيجرنا إلى الحديث عن الأوضاع المعيشية للناس.
قال سيدنا عمر : هذه النقطة بالذات تمس طريقتى أنا فى الحكم والإدارة , لقد كنت أفهم دورى جيدا فأرحت واسترحت , ليست مهمتكم أن ترزقوا الناس فالله وحده هو المتكفل بالأرزاق , ولكن مهمتكم هى إقامة العدل فى توزيع تلك الأرزاق , وكل من يفهم تلك النقطة يستريح هو كثيرا ويستريح الناس فى عهده أكثر , ينبغى العمل على محو أية رائحة للاحتكار , فليس فقط الاحتكار هو ما يتوجب عليكم محوه ولكن رائحته كذلك , لأن الاحتكار هو جور وظلم بين فى توزيع الأرزاق , قوموا بتفعيل قوانين منع الاحتكار من جهة , وشجعوا المنافسة السوقية من جهة أخرى , وفى وقت قياسى ستهبط الأسعار إلى مستويات لم تكن تخطر على البال , إن سلعة ما سعرها يرتفع إلى ما فوق طاقة من يحتاجونها هذا ليس معناه أن الله -سبحانه- قد قصّر معهم فى رزقهم إياها , ولكن معناه أن المحتكرون الطماعون هم الذين يرفعون الأسعار دون مبرر , اقضوا على الاحتكار بكل السبل تتحسن الأوضاع المعيشية للناس فالله سبحانه قد كفل للناس أرزاقهم التى تكفيهم وتزيد .
قال المرشد العام : لكن لنفترض أن سلعة ما قد ارتفع سعرها فجأة وبشكل جنونى .
قال سيدنا عمر :ساعتها تتدخلوا لتصحيح الأوضاع , ولتقوموا بإعادة تسعير تلك السلعة بشكل عادل يجعلها فى متناول أيدى الناس , وفى نفس الوقت لا يسبب خسائر للمنتجين لها .
قال المرشد العام : وهل لديكم شئ آخر لمعالجة الوضع الاقتصادى ؟
قال سيدنا عمر : يكفيكم هذا من ناحية الإجراءات الاقتصادية التقليدية , لكم هناك إجراء اقتصادى غير تقليدى , وقد يفهمه البعض على أنه ليست له علاقة بالاقتصاد , لكن تجربتى فى الحكم أثبتت أن العلاقة وثيقة .
قال المرشد العام : ماذا تقصدون ؟
قال سيدنا عمر : تعلمون أنه قد حدثت فى عهدى مجاعة عاتية , التصقت فيها بطون الناس بظهورهم من شدة الجوع , ومع ذلك لم يطالبنى أحد بالرحيل , بل كانوا يعتبرون وجودى بينهم كالماء والهواء أيا كانت الأحوال المعيشية.
قال المرشد العام : صحيح , لكن ما سر ذلك ؟
قال سيدنا عمر : كلمة واحدة : العدل , يمكن للناس أن يرضوا بأقل قدر من الإصلاحات والانجازات فى المجال الاقتصادى طالما رأوا بأعينهم عدلا بينهم يأخذ لكل ذى حق حقه , وهذا ما ينبغى عليكم ألا تغفلوه , فالعدل هو أول احتياجات الناس , وأهم بالنسبة لهم من الطعام والشراب وهذا ما حدث إبان تجربتى فى الحكم .
قال المرشد العام : لكن ألا يحتاج ما قلتموه من إجراءت وحلول إلى الفاروق بنفسه لكى ينفذها على أرض الواقع؟
قال سيدنا عمر : لكنكم تنظيم قوى بحق , يحوى أشباه أبى بكر وعمر وغيرهما من الصحابة , فتحركوا واعملوا بشكل جماعى لكى تحققوا على أرض الواقع بجهدكم الجماعى التنظيمى ربما مالم يحققه الفاروق نفسه .
قال المرشد العام : مازلت مصرا على أن تلك الحلول والتصورات تحتاج إلى الفاروق بنفسه لكى يقود هو عملية تحويلها إلى واقع .
قال سيدنا عمر : لا بأس , لعل بينكم الآن وفى رحم الغيب فاروق آخر .
قال المرشد العام متعجبا : هل..؟
قال سيدنا عمر مبتسما: نعم .
                                                        تمت.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق