بسم الله الرحمن الرحيم
للمرة الثانية , أتخيل أن سيدنا عمر بن الخطاب يأتى إلينا فى زيارة
قصيرة من العالم الاخر , وللمرة الثانية يختار هو مكتب المرشد العام للإخوان
المسلمين مقرا لهذه الزيارة التى لن تطول مدتها أكثر من المدة المعتادة لشرب كوب
من الشاى مع المرشد العام , وقد دار بينهما الحوار التالى :
قال المرشد العام : مرحبا بكم فى زيارتكم لنا , نريد روشتة سريعة
لإصلاح الأوضاع الاقتصادية فى مصر , فإن الاحتياطى الأجنبى قد قارب على النفاذ ,
مما ينذر بكارثة اقتصادية .
قال سيدنا عمر : هل لم تنفذوا شيئا مما قلته فى الزيارة السابقة؟
قال المرشد العام : للأسف لم تسنح الفرصة , وانشغلنا بالقلاقل
والاضطرابات التى عمت البلاد .
قال سيدنا عمر : هذا ليس عذرا , ألا تذكر قول شوقى : وما استعصى على
قوم منال .... إذا الإقدام كان لهم ركابا؟
قال المرشد العام : وهل تحفظ أشعار شوقى أيضا؟
قال سيدنا عمر : نحن فى العالم الآخر على دراية تامة بكل أحوالكم ,
ولهذا سنتكلم فى الإصلاحات السريعة عن إلمام بمشاكلكم .
قال المرشد العام : من أية نقطة نبدأ؟
قال سيدنا عمر : بالمبدأين اللذين يغفل عنهما كل حاكم فى الدنيا ,
واللذين إن استوعبهما أى حاكم فإنه يريح ويستريح .
قال المرشد العام : وما هما ؟
قال سيدنا عمر : الأول هو أن الحاكم ليست مهمته أن يرزق الناس , وإنما
مهمته أن يعدل بينهم فى توزيع تلك الأرزاق , فالأرزاق تأتى وحدها , وهو ما غفل عنه
الرئيس السابق حين قال : أوكلكم منين؟
قال المرشد العام : والثانى؟
قال سيدنا عمر : الثانى أنك لن تستطيع أن تدير اقتصاد دولتك إلا بنفس
الطريقة التى تدير بها اقتصاد حافظتك الشخصية , فما ترتضيه لحافظتك الشخصية ترتضيه
للخزانة العامة للدولة , والعكس بالعكس .
قال المرشد العام : وما هى تطبيقات المبدأين على أرض الواقع؟
قال سيدنا عمر : كم تبلغ الميزانية السنوية للدولة كلها؟
قال المرشد العام : فى حدود 400 مليار جنيه .
قال سيدنا عمر : وفيم تنفقونها ؟
قال المرشد العام : فى بنود كثيرة لا حصر لها .
قال سيدنا عمر : أغلبها ينبطق عليه السفه فى الإنفاق وهو ما لا ترتضيه
لحافظة نقودك , فلماذا ترتضيه لخزانة الدولة التى استأمنك الله عليها؟
قال المرشد العام : ماذا تعنى؟
قال سيدنا عمر : فى المؤتمر الصحفى الأخير للهيئة الشرعية للحقوق
والإصلاح , قال المهندس خيرت الشاطر أن خدمة الدين العام تستنزف 170 مليار جنيه
سنويا , وأن الدعم يستنزف 120 مليار جنيه سنويا , وهكذا تضيع الميزانية كلها فى لا
شيئ .
قال المرشد العام : وماذا ترى إزاء ذلك ؟
قال سيدنا عمر : نعود لمبدأ أن مهمة الحاكم هى إدارة اقتصاد بلده
كاقتصاد حافظته الشخصية , وهذا معناه أنك تعمل على تخفيض تلك المبالغ ولديك طرق
كثيرة لهذا .
قال المرشد العام : مثل ماذا ؟
قال سيدنا عمر : بداية ينبغى أن تكون الإجراءات المتخذة جريئة وحاسمة ,
لأن الأيدى المرتعشة لن تنفع فى هذه الظروف , فبالنسبة لما يدفع من فوائد ربوية
تسمى بخدمة الدين , فهذه يدفع منها ما يعادل ستة مليارات فقط لخدمة الدين الخارجى
, بينما يدفع باقى ال170 مليارا لخدمة الدين الداخلى , وهذه نعمة من الله , فمادام
فى يدكم التشريع والتنفيذ , فبإمكانكم أن تصدروا من القوانين والتشريعات , ما يخفض
سعر الفائدة الربوية على الديون الحكومية إلى صفر , ومن الممكن أن يكون ذلك بأثر
رجعى , وبهذا فسيزاح عن كاهل الميزانية مبلغ ال170 مليار التى تدفع كفوائد ربوية ,
وأيضا من الممكن أن تتحول الحكومة المدينة إلى جهة دائنة .
قال المرشد العام متعجبا : وكيف هذا ؟
قال سيدنا عمر : إذا جعلتم التشريعات الخاصة بإلغاء الفوائد الربوية
على الديون الحكومية بأثر رجعى , وكانت هناك جهات قد تحصلت على أكثر من مبلغ الدين
الأصلى لها , فستتحول إلى جهات مدينة لخزانة الدولة بما تقاضته كفوائد ربوية ,
يمكنكم أن تقوموا بجدولتها كى تستطيع تلك الجهات سدادها إلى خزانة الدولة بأريحية
.
قال المرشد العام : ما رأيكم فى القرض الذى سوف نقترضه من البنك الدولى؟
قال سيدنا عمر : وما حاجتكم إلى الاقتراض ؟
قال المرشد العام : نريد أن نحصل بالموافقة على القرض على شهادة ضمنية
بان اقتصادنا حالته جيدة , مما يجذب المستثمرين من الخارج ؟
قال سيدنا عمر : كلا لا أوافق على هذا , فبالنسبة للشهادة التى تتكلم
عنها , فيمكنكم أن تحصلوا على الكثير من الشهادات من خلال مؤشرات أخرى كمعدل النمو
, وحالة الاستقرار فى البلاد , والمناخ العام للاستثمار , إننى أتعجب كيف لأناس هم
فى الأساس أهل فقه ودعوة أن يقدموا على الاقتراض بربا؟
قال المرشد العام : لكننا قد قطعنا خطوات فى سبيل إتمام إجراءات القرض
.
قال سيدنا عمر : وهذه هى فرصتكم أن تحصلوا على الشهادة التى كنتم
تبحثون عنها , لكن مجانا بدون قرض .
قال المرشد العام : وكيف هذا ؟
قال سيدنا عمر : تخاطبون البنك الدولى بتراجعكم عن طلب القرض نظرا
لثقتكم فى الاقتصاد المصرى , حيث أنكم فى الحقيقة لا تحتاجون القرض .
قال المرشد العام : وماذا عن الدعم؟
قال سيدنا عمر : يلغى تماما عن الجهات أو الفئات التى لا تستحقه , ولا
تؤثر فيكم الصرخات التى ستسمعونها من تلك الجهات أو الفئات , لأن الدافع لهم
للصراخ والاعتراض سيكون الطمع والجشع , وليس الحق .
قال المرشد العام : هل من أمثلة لهذا؟
قال سيدنا عمر : المفترض فى فكرة الدعم أنه مساعدة تعطيها الدولة لمن
يحتاجون إلى المساعدة من أفرادها , فمن لا يجد رغيف الخبز ليأكل , أو لا يجد الماء
النظيف ليشرب , أو أى من تلك السلع الأساسية , فمن الواجب على الدولة أن تدعم له
تلك السلع , لكن من يمارس نشاطا تصديريا , بحيث يبيع إنتاجه للخارج , ويكسب من
فاروق أسعاغر العملات , فكيف تعطيه دعما من خزانة الدولة , وبأية حجة أصلا؟
قال المرشد العام : صحيح , وهل هناك أمثلة أخرى؟
قال سيدنا عمر : الأمثلة لا حصر لها , فهناك صناعات تستهلك طاقة كثيرة
, ومع ذلك تحاسبون المصانع والشركات بأسعار مدعمة , والمنتج يكسب عدة مرات : مرة
من الدعم الذى يأخذه سحتا حراما لأنه لا يستحقه وإنما الذى يستحقه هو الفقير
المعدم , ومرة عندما يبيع إنتاجه بأسعار مرتفعة , خاصة أن الأسعار غير مسيطر عليها
عندكم , وكل منتج يسعر سلعته كيفما يشاء .
قال المرشد العام : هذا ما كنت أريد أن أسأل عنه , وهو الأسعار
الجنونية التى ترتفع من حين لآخر , كيف نسيطر عليها؟
قال سيدنا عمر : قبل أن أدلكم على هذا أنصحكم أن تضعوا أيديكم فى أيدى
الاتحاد العام للغرف التجارية , فهم أناس مخلصون , وتأخذوا منهم النصائح والبيانات
اللازمة لترشيد الدعم , وإيصاله إلى مستحقيه فقط , ستأخذون منهم بيانات بالصناعات
والأنشطة غير المستحقة للدعم , وستأخذون منهم بيانات بالسلع غير المستحقة للدعم ,
وستأخذون منهم نصائح بآليات لكيفية الانتقال السلس من حالة الدعم لكل شيئ , إلى حالة
الدعم المرشد الواصل إلى مستحقيه .
قال المرشد العام : وبالنسبة للأسعار ؟
قال سيدنا عمر : لكى تسيطر على الأسعار أمامك عدة طرق , اختر منها ما
تشاء , فيمكنكم أن تضعوا تسعيرة على سلع بعينها , والاتفاقية الدولية ةلحرية
التجارة تسمح بهذا , يمكنكم أن تسعروا الدواء وهو مسعر بالفعل , ويمكنكم أن تسعروا
الخبز , والزيت والسكر , والطماطم والأرز والمكرونة , وكل ما ترون أنها سلعة
أساسية يحتاجها الناس وتتأثر حياتهم بإرتفاع أسعارها , وهناك طرق أخرى مثل أن تزيد
من المعروض فتقل الأسعار وذلك بطريقتين : إما أن تقوم بضخ مزيد من تلك السلع فى
الأسواق عن طريق شحنات تم استيرادها , ويكون سعرها فى الخارج أقل من الأسعار التى
يبيعها بها التجار الجشعون , وإما أن تزيد الإنتاج من تلك السلع محليا , وبالتالى
ترخص أسعارها , أمامكم طرق كثيرة المهم هو الفعل .
قال المرشد العام : وإذا لجأنا إلى التسعير كيف نقوم بهذا ؟ وما هى
آلياته؟
قال سيدنا عمر : لكى تسعر لابد من جهتين أساسيتين تساعدانك , الجهة
الأولى هى التى تقوم بالتسعير , حيث تضع أسعارا عادلة تحقق مصلحة المنتج والمستهلك
معا , بحيث يربح المنتج أرباحا معقولة فلا يتوقف عن الإنتاج , وأيضا يجد المستهلك
السلعة فى متناول يده , وهذه الجهة هى الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية ,
وأما الجهة الأخرى فهى التى ستقوم بالرقابة على الأسعار المحددة , وأعنى بها مباحث
التموين , ويمكنكم أن تشجعوا منظمات المجتمع المدنى على الاشتراك فى الرقابة أيضا
, الأمر سهل وبسيط , المهم هو الفعل والإقدام .
قال المرشد العام : هل هناك نصائح أخرى؟
قال سيدنا عمر : نعم , ما هو أكبر بند فى ميزانية الدولة بعد هذين
البندين؟
قال المرشد العام : أظنه رواتب الموظفين.
قال سيدنا عمر : طبعا هناك موظفون يتقاضون ملايين الجنيهات شهريا وليس
سنويا .
قال المرشد العام : نعم .
قال سيدنا عمر : نعود ثانية إلى نظرية حافظة نقودك , فلو أنك تعطى
للموظفين رواتب من تلك الحافظة فهل ستعطيهم الملايين ؟
قال المرشد العام مبتسما : كلا بالطبع .
قال سيدنا عمر : وهو أيضا ما ينطبق على رواتب الموظفين التى تدفعها
خزانة الدولة , ضع حدا أقصى للمبلغ الذى تدفعه الدولة كرواتب , وهذا المبلغ يكون
متناسبا مع الحالة الاقتصادية العامة للبلاد , فإن كانت الحالة العامة جيدة ترتفع
معها الرواتب , والعكس بالعكس .
قال المرشد العام : كم يبلغ مبلغ الحد الأقصى الذى تنصحنا به ؟
قال سيدنا عمر : سأدلك وأجعلك تجيب بنفسك , عندما كان الدكتور سعد
الكتاتنى رئيسا لمجلس الشعب كم كان يتقاضى شهريا ؟
قال المرشد العام : فى البداية وجد أن راتبه يبلغ ثلاثة أرباع المليون
جنيه شهريا , غير البدلات وغيرها .
قال سيدنا عمر : ثم ماذا ؟
قال المرشد العام : قام من تلقاء نفسه بتخفيض راتبه إلى ثلاثين ألف
جنيه فقط , واشترك معه فى هذا رئيس مجلس الشورى أيضا .
قال سيدنا عمر : وما هو الموقع الذى يحتله رئيس مجلس الشعب فى البناء
الهرمى للدولة؟
قال المرشد العام : هو الرجل الثانى فى الدولة .
قال سيدنا عمر : عظيم , فليكن الحد الأقصى للاجور فى هذه المرحلة
الدقيقة هو ثلاثون ألف جنيه فقط لا غير , وخالصة من الضرائب .
قال المرشد العام : وهل سيقبل ذوو الأجور المرتفعة بهذا؟
قال سيدنا عمر : اعتبر أنك تعطيهم الرواتب من حافظة نقودك , وحالة
الحافظة لا تسمح إلا بهذا فى الوقت الحالى , فمن يريد أن يستمر فى موقعه وفق هذا
المبلغ فاهلا وسهلا , ومن لا يرغب فليرزقه الله من مكان آخر .
قال المرشد العام : إذن سيكون لدينا مبلغا ضخما فائضا عن ميزانية
المرتبات .
قال سيدنا عمر : هذا الفائض ترفع به رواتب ذوى الأجور المنخفضة , بحيث
لا يقل راتب أى موظف فى الدولة عن 1200 جنيه .
قال المرشد العام : وهل هناك نصائح أخرى؟
قال سيدنا عمر : يكفيكم هذا فى الوقت الحالى , كما أن كوب الشاى قد
قارب على النفاد , وإذا أذن الله بزيارة أخرى , فليكن معك فيها المهندس خيرت
الشاطر والدكتور مرسى .
قال المرشد العام : كما تأمر , لكن ما ×بار الفاروق الجديد؟
قال سيدنا عمر : يخضع لإعداد خاص الآن , لا تنشغل به كثيرا , لكل أجل
كتاب .
تمت .