الجمعة، 7 أبريل 2017

سيدنا عمر بن الخطاب فى مكتب المرشد العام (2)

بسم الله الرحمن الرحيم
للمرة الثانية , أتخيل أن سيدنا عمر بن الخطاب يأتى إلينا فى زيارة قصيرة من العالم الاخر , وللمرة الثانية يختار هو مكتب المرشد العام للإخوان المسلمين مقرا لهذه الزيارة التى لن تطول مدتها أكثر من المدة المعتادة لشرب كوب من الشاى مع المرشد العام , وقد دار بينهما الحوار التالى :
قال المرشد العام : مرحبا بكم فى زيارتكم لنا , نريد روشتة سريعة لإصلاح الأوضاع الاقتصادية فى مصر , فإن الاحتياطى الأجنبى قد قارب على النفاذ , مما ينذر بكارثة اقتصادية .
قال سيدنا عمر : هل لم تنفذوا شيئا مما قلته فى الزيارة السابقة؟
قال المرشد العام : للأسف لم تسنح الفرصة , وانشغلنا بالقلاقل والاضطرابات التى عمت البلاد .
قال سيدنا عمر : هذا ليس عذرا , ألا تذكر قول شوقى : وما استعصى على قوم منال  .... إذا الإقدام كان لهم ركابا؟
قال المرشد العام : وهل تحفظ أشعار شوقى أيضا؟
قال سيدنا عمر : نحن فى العالم الآخر على دراية تامة بكل أحوالكم , ولهذا سنتكلم فى الإصلاحات السريعة عن إلمام بمشاكلكم .
قال المرشد العام : من أية نقطة نبدأ؟
قال سيدنا عمر : بالمبدأين اللذين يغفل عنهما كل حاكم فى الدنيا , واللذين إن استوعبهما أى حاكم فإنه يريح ويستريح .
قال المرشد العام : وما هما ؟
قال سيدنا عمر : الأول هو أن الحاكم ليست مهمته أن يرزق الناس , وإنما مهمته أن يعدل بينهم فى توزيع تلك الأرزاق , فالأرزاق تأتى وحدها , وهو ما غفل عنه الرئيس السابق حين قال : أوكلكم منين؟
قال المرشد العام : والثانى؟
قال سيدنا عمر : الثانى أنك لن تستطيع أن تدير اقتصاد دولتك إلا بنفس الطريقة التى تدير بها اقتصاد حافظتك الشخصية , فما ترتضيه لحافظتك الشخصية ترتضيه للخزانة العامة للدولة , والعكس بالعكس .
قال المرشد العام : وما هى تطبيقات المبدأين على أرض الواقع؟
قال سيدنا عمر : كم تبلغ الميزانية السنوية للدولة كلها؟
قال المرشد العام : فى حدود 400 مليار جنيه .
قال سيدنا عمر : وفيم تنفقونها ؟
قال المرشد العام : فى بنود كثيرة لا حصر لها .
قال سيدنا عمر : أغلبها ينبطق عليه السفه فى الإنفاق وهو ما لا ترتضيه لحافظة نقودك , فلماذا ترتضيه لخزانة الدولة التى استأمنك الله عليها؟
قال المرشد العام : ماذا تعنى؟
قال سيدنا عمر : فى المؤتمر الصحفى الأخير للهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح , قال المهندس خيرت الشاطر أن خدمة الدين العام تستنزف 170 مليار جنيه سنويا , وأن الدعم يستنزف 120 مليار جنيه سنويا , وهكذا تضيع الميزانية كلها فى لا شيئ .
قال المرشد العام : وماذا ترى إزاء ذلك ؟
قال سيدنا عمر : نعود لمبدأ أن مهمة الحاكم هى إدارة اقتصاد بلده كاقتصاد حافظته الشخصية , وهذا معناه أنك تعمل على تخفيض تلك المبالغ ولديك طرق كثيرة لهذا .
قال المرشد العام : مثل ماذا ؟
قال سيدنا عمر : بداية ينبغى أن تكون الإجراءات المتخذة جريئة وحاسمة , لأن الأيدى المرتعشة لن تنفع فى هذه الظروف , فبالنسبة لما يدفع من فوائد ربوية تسمى بخدمة الدين , فهذه يدفع منها ما يعادل ستة مليارات فقط لخدمة الدين الخارجى , بينما يدفع باقى ال170 مليارا لخدمة الدين الداخلى , وهذه نعمة من الله , فمادام فى يدكم التشريع والتنفيذ , فبإمكانكم أن تصدروا من القوانين والتشريعات , ما يخفض سعر الفائدة الربوية على الديون الحكومية إلى صفر , ومن الممكن أن يكون ذلك بأثر رجعى , وبهذا فسيزاح عن كاهل الميزانية مبلغ ال170 مليار التى تدفع كفوائد ربوية , وأيضا من الممكن أن تتحول الحكومة المدينة إلى جهة دائنة .
قال المرشد العام متعجبا : وكيف هذا ؟
قال سيدنا عمر : إذا جعلتم التشريعات الخاصة بإلغاء الفوائد الربوية على الديون الحكومية بأثر رجعى , وكانت هناك جهات قد تحصلت على أكثر من مبلغ الدين الأصلى لها , فستتحول إلى جهات مدينة لخزانة الدولة بما تقاضته كفوائد ربوية , يمكنكم أن تقوموا بجدولتها كى تستطيع تلك الجهات سدادها إلى خزانة الدولة بأريحية .
قال المرشد العام : ما رأيكم فى القرض الذى سوف نقترضه من البنك الدولى؟
قال سيدنا عمر : وما حاجتكم إلى الاقتراض ؟
قال المرشد العام : نريد أن نحصل بالموافقة على القرض على شهادة ضمنية بان اقتصادنا حالته جيدة , مما يجذب المستثمرين من الخارج ؟
قال سيدنا عمر : كلا لا أوافق على هذا , فبالنسبة للشهادة التى تتكلم عنها , فيمكنكم أن تحصلوا على الكثير من الشهادات من خلال مؤشرات أخرى كمعدل النمو , وحالة الاستقرار فى البلاد , والمناخ العام للاستثمار , إننى أتعجب كيف لأناس هم فى الأساس أهل فقه ودعوة أن يقدموا على الاقتراض بربا؟
قال المرشد العام : لكننا قد قطعنا خطوات فى سبيل إتمام إجراءات القرض .
قال سيدنا عمر : وهذه هى فرصتكم أن تحصلوا على الشهادة التى كنتم تبحثون عنها , لكن مجانا بدون قرض .
قال المرشد العام : وكيف هذا ؟
قال سيدنا عمر : تخاطبون البنك الدولى بتراجعكم عن طلب القرض نظرا لثقتكم فى الاقتصاد المصرى , حيث أنكم فى الحقيقة لا تحتاجون القرض .
قال المرشد العام : وماذا عن الدعم؟
قال سيدنا عمر : يلغى تماما عن الجهات أو الفئات التى لا تستحقه , ولا تؤثر فيكم الصرخات التى ستسمعونها من تلك الجهات أو الفئات , لأن الدافع لهم للصراخ والاعتراض سيكون الطمع والجشع , وليس الحق .
قال المرشد العام : هل من أمثلة لهذا؟
قال سيدنا عمر : المفترض فى فكرة الدعم أنه مساعدة تعطيها الدولة لمن يحتاجون إلى المساعدة من أفرادها , فمن لا يجد رغيف الخبز ليأكل , أو لا يجد الماء النظيف ليشرب , أو أى من تلك السلع الأساسية , فمن الواجب على الدولة أن تدعم له تلك السلع , لكن من يمارس نشاطا تصديريا , بحيث يبيع إنتاجه للخارج , ويكسب من فاروق أسعاغر العملات , فكيف تعطيه دعما من خزانة الدولة , وبأية حجة أصلا؟
قال المرشد العام : صحيح , وهل هناك أمثلة أخرى؟
قال سيدنا عمر : الأمثلة لا حصر لها , فهناك صناعات تستهلك طاقة كثيرة , ومع ذلك تحاسبون المصانع والشركات بأسعار مدعمة , والمنتج يكسب عدة مرات : مرة من الدعم الذى يأخذه سحتا حراما لأنه لا يستحقه وإنما الذى يستحقه هو الفقير المعدم , ومرة عندما يبيع إنتاجه بأسعار مرتفعة , خاصة أن الأسعار غير مسيطر عليها عندكم , وكل منتج يسعر سلعته كيفما يشاء .
قال المرشد العام : هذا ما كنت أريد أن أسأل عنه , وهو الأسعار الجنونية التى ترتفع من حين لآخر , كيف نسيطر عليها؟
قال سيدنا عمر : قبل أن أدلكم على هذا أنصحكم أن تضعوا أيديكم فى أيدى الاتحاد العام للغرف التجارية , فهم أناس مخلصون , وتأخذوا منهم النصائح والبيانات اللازمة لترشيد الدعم , وإيصاله إلى مستحقيه فقط , ستأخذون منهم بيانات بالصناعات والأنشطة غير المستحقة للدعم , وستأخذون منهم بيانات بالسلع غير المستحقة للدعم , وستأخذون منهم نصائح بآليات لكيفية الانتقال السلس من حالة الدعم لكل شيئ , إلى حالة الدعم المرشد الواصل إلى مستحقيه .
قال المرشد العام : وبالنسبة للأسعار ؟
قال سيدنا عمر : لكى تسيطر على الأسعار أمامك عدة طرق , اختر منها ما تشاء , فيمكنكم أن تضعوا تسعيرة على سلع بعينها , والاتفاقية الدولية ةلحرية التجارة تسمح بهذا , يمكنكم أن تسعروا الدواء وهو مسعر بالفعل , ويمكنكم أن تسعروا الخبز , والزيت والسكر , والطماطم والأرز والمكرونة , وكل ما ترون أنها سلعة أساسية يحتاجها الناس وتتأثر حياتهم بإرتفاع أسعارها , وهناك طرق أخرى مثل أن تزيد من المعروض فتقل الأسعار وذلك بطريقتين : إما أن تقوم بضخ مزيد من تلك السلع فى الأسواق عن طريق شحنات تم استيرادها , ويكون سعرها فى الخارج أقل من الأسعار التى يبيعها بها التجار الجشعون , وإما أن تزيد الإنتاج من تلك السلع محليا , وبالتالى ترخص أسعارها , أمامكم طرق كثيرة المهم هو الفعل .
قال المرشد العام : وإذا لجأنا إلى التسعير كيف نقوم بهذا ؟ وما هى آلياته؟
قال سيدنا عمر : لكى تسعر لابد من جهتين أساسيتين تساعدانك , الجهة الأولى هى التى تقوم بالتسعير , حيث تضع أسعارا عادلة تحقق مصلحة المنتج والمستهلك معا , بحيث يربح المنتج أرباحا معقولة فلا يتوقف عن الإنتاج , وأيضا يجد المستهلك السلعة فى متناول يده , وهذه الجهة هى الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية , وأما الجهة الأخرى فهى التى ستقوم بالرقابة على الأسعار المحددة , وأعنى بها مباحث التموين , ويمكنكم أن تشجعوا منظمات المجتمع المدنى على الاشتراك فى الرقابة أيضا , الأمر سهل وبسيط , المهم هو الفعل والإقدام .
قال المرشد العام : هل هناك نصائح أخرى؟
قال سيدنا عمر : نعم , ما هو أكبر بند فى ميزانية الدولة بعد هذين البندين؟
قال المرشد العام : أظنه رواتب الموظفين.
قال سيدنا عمر : طبعا هناك موظفون يتقاضون ملايين الجنيهات شهريا وليس سنويا .
قال المرشد العام : نعم .
قال سيدنا عمر : نعود ثانية إلى نظرية حافظة نقودك , فلو أنك تعطى للموظفين رواتب من تلك الحافظة فهل ستعطيهم الملايين  ؟
قال المرشد العام مبتسما : كلا بالطبع .
قال سيدنا عمر : وهو أيضا ما ينطبق على رواتب الموظفين التى تدفعها خزانة الدولة , ضع حدا أقصى للمبلغ الذى تدفعه الدولة كرواتب , وهذا المبلغ يكون متناسبا مع الحالة الاقتصادية العامة للبلاد , فإن كانت الحالة العامة جيدة ترتفع معها الرواتب , والعكس بالعكس .
قال المرشد العام : كم يبلغ مبلغ الحد الأقصى الذى تنصحنا به ؟
قال سيدنا عمر : سأدلك وأجعلك تجيب بنفسك , عندما كان الدكتور سعد الكتاتنى رئيسا لمجلس الشعب كم كان يتقاضى شهريا ؟
قال المرشد العام : فى البداية وجد أن راتبه يبلغ ثلاثة أرباع المليون جنيه شهريا , غير البدلات وغيرها .
قال سيدنا عمر : ثم ماذا ؟
قال المرشد العام : قام من تلقاء نفسه بتخفيض راتبه إلى ثلاثين ألف جنيه فقط , واشترك معه فى هذا رئيس مجلس الشورى أيضا .
قال سيدنا عمر : وما هو الموقع الذى يحتله رئيس مجلس الشعب فى البناء الهرمى للدولة؟
قال المرشد العام : هو الرجل الثانى فى الدولة .
قال سيدنا عمر : عظيم , فليكن الحد الأقصى للاجور فى هذه المرحلة الدقيقة هو ثلاثون ألف جنيه فقط لا غير , وخالصة من الضرائب .
قال المرشد العام : وهل سيقبل ذوو الأجور المرتفعة بهذا؟
قال سيدنا عمر : اعتبر أنك تعطيهم الرواتب من حافظة نقودك , وحالة الحافظة لا تسمح إلا بهذا فى الوقت الحالى , فمن يريد أن يستمر فى موقعه وفق هذا المبلغ فاهلا وسهلا , ومن لا يرغب فليرزقه الله من مكان آخر .
قال المرشد العام : إذن سيكون لدينا مبلغا ضخما فائضا عن ميزانية المرتبات .
قال سيدنا عمر : هذا الفائض ترفع به رواتب ذوى الأجور المنخفضة , بحيث لا يقل راتب أى موظف فى الدولة عن 1200 جنيه .
قال المرشد العام : وهل هناك نصائح أخرى؟
قال سيدنا عمر : يكفيكم هذا فى الوقت الحالى , كما أن كوب الشاى قد قارب على النفاد , وإذا أذن الله بزيارة أخرى , فليكن معك فيها المهندس خيرت الشاطر والدكتور مرسى .
قال المرشد العام : كما تأمر , لكن ما ×بار الفاروق الجديد؟
قال سيدنا عمر : يخضع لإعداد خاص الآن , لا تنشغل به كثيرا , لكل أجل كتاب .
تمت . 

السبت، 1 أبريل 2017

الفول ضد الجوع

بسم الله الرحمن الرحيم
من المعروف أن وجبة الفول هى من أكثر ما يستعين به المصريون على سد رمقهم , وسواء أكان ذلك فى الوجبات الثانوية وهى الإفطار والعشاء أو ما بين الوجبات , أو حتى فى الوجبة الرئيسية وجبة الغذاء , وتتعدد طرق إعداد الفول سواء أكان مدمسا أو مطبوخا , أو مصنها تصنيعا غذائيا شعبيا , فبالنسبة للفول المدمس , فتتنوع فنون إعداده مع إضافة مكسبات الطعم والروائح إليه , والتى تتم فى المطاعم الشعبية حتى لنكاد نجد أن لكل مطعم طريقته فى إعداد الفول المدمس , أو فى البيوت التى يلقى فيها الفول اهتماما خاصا من حيث إضافة مواد غذائية أخرى إليه كالبيض على الرغم من خطأ ذلك على ما سنبينه فيما بعد , وبالنسبة لكونه مطبوخا فيتم ذلك كخضار عادى مثل أى خضار أو كمدفونة فول فى الأرز  , وهذا يستخدم فيه الفول الأخضر , أو كفول نابت  وهذا يستخدم فيه الفول المجفف , وإما مصنعا تصنيعا شعبيا وأعنى بذلك الطعمية المصرية المشهورة , وبذلك يكون الفول من أكثر ما يعتمد عليه المصريون فى غذائهم .
ولا يتوقف استخدام الفول كمادة غذائية أساسية على بنى البشر من المصريين , ولكن تشاركهم الحيوانات فى ذلك أيضا , حيث أن الفول البلدى يحتوى على نسبة مرتفعة من البروتين المهضوم تبلغ 26% , كما أن تبن الفول هو ذو قيمة غذائية أعلى من تبن القمح , ففى حين أن محتوى تبن القمح من البروتين هو صفر , يحتوى تبن الفول على 2% بروتين مهضوم , مما يجعل الفول عموما  مادة علفية ممتازة , وبناء على كل ما سبق نشأت فكرة مشروع الفول ضد الجوع .
تتلخص فكرة المشروع فى زيادة ناتج الفول البلدى أو الرومى أو الصويا المنزرع محليا من خلال تحميله على محاصيل الفاكهة المنزرعة صحراويا , بما يهدف إلى :
1- الاستغناء تماما عن استيراد أى فول من الخارج  .
2- زيادة نسبة عنصر الفول فى منظومة الأعلاف المنتجة محليا , مما يقلل كثيرا من كميات الأعلاف المستوردة من الخارج , ومما يفتح الباب للاكتفاء الذاتى من محاصيل الأعلاف مما يترتب عليه أريحية فى إنشاء مشروعات الإنتاج الحيوانى كمشروع البتلو وغيره , والتى يمنع التوسع فيها ارتفاع أسعار الأعلاف .
3- جعل الفول سلعة غذائية بشرية شبه مجانية أو بسعر رمزى وذلك من خلال زيادة المعروض منه فى الأسواق , وهذا موجه إلى الفئات المعدمة التى لا تجد ثلاث وجبات فى اليوم , وإنما قد يمر عليهم اليوم واليومان دون وجبة واحدة , وبالنسبة لمحلات الفول والطعمية فإنها لن تتاثر بانخفاض أسعار الفول , لأنهم هم أنفسهم يقولون أن الفول المدمس الخام لا يحقق مكاسب , وإنما مكاسبهم تكون من الفول المدمس الذى جرى إعداده وتجهيزه بطرقهم المختلفة , أو من الطعمية أو الاكلات الأخرى التى تعدها محلات الفول والطعمية كالقنبيط أو المسقعة أو البطاطس وغيرها , أو من خلال المشهيات كالمخللات أو السلطات .
آليات الإنتاج :
فى الموسم الشتوى الأول سيتم تعميم التجربة فى مزارع الفاكهة بمنطقة وادى النطرون , حيث ستزرع أربعة حبات فول -أو حسب ما يحدده خبراء التكثيف الزراعى - بجوار كل نقاط رى , وبناء عليه سيتراوح عدد نباتات الفول بجوار كل شجرة ما بين أربعة إلى عشرين نباتا بجوار الشجرة الواحدة , ويراعى فى الأشجار ذات الأعمار الكبيرة أن تزحزح خراطيم الرى بعيدا عن الجذوع إلى الخارج , حتى يتسنى لنباتات الفول التعرض للشمس وهذا سيكون متبعا فى مزارع وأحواش الفاكهة المستديمة الخضرة التى تروى شتاء , بينما لن يكون ذلك متبعا فى مزارع وأحواش الفاكهة المتساقطة الأوراق التى يتم تصويمها شتاء .
وزراعة الفول بهذه الطريقة لن تستلزم أية تكاليف إضافية لإنتاجه إلا من بعض تكاليف المكافحة , والتى قد يستغنى عنها أيضا , حيث أن الكيماويات المستخدمة فى مكافحة آفات وأمراض أشجار الفاكهة ستعود بالنفع على نباتات الفول أيضا , كما سيتم التعامل مع الفول المنزرع  من قبل المزارع كما لو كان حشيشة , أى أن المفترض أن الشركات لا تزرعه من أجل الربح العالى , خاصة أن الهدف من زراعته هو النزول بأسعاره إلى أقل حد ممكن  , ولكن الشركات ستزرعه بناء على اتفاق بينها وبين وزارة الزراعة , حيث أن وزارة الزراعة هى التى ستمدهم بالبذور , والتى سيراعى فيها تحديد نسبة الإنبات بناء على الاختبارات التى تتم لتحديد تلك النسبة , مع تحديد عدد الحبات فى وحدة الوزن , وبناء على نسبة الإنبات مع تحديد عدد الحبات فى وحدة الوزن , ستتم محاسبة الشركات من خلال المقارنة بين كميات البذور التى تم توريدها مع المساحات التى تمت زراعتها وتحديد هل تمت زراعة الفول بجدية أم لا؟
وعند حصاد الفول سيكون هدف كل جهة -أى كلا من وزارة الزراعة التى هى مصدر البذور والشركات التى قامت بالزراعة -هو الحصول على هامش ربح بسيط أو على مجرد تكاليف الإنتاج , والتى ستكون بالنسبة للشركات والمزارع أقل ما يمكن , لان الفول سيروى مع الأشجار ,  وستتم مكافحة آفاته وأمراضه معها أيضا , كما أنه من الناحية الفسيولوجية سيعود بالنفع على الأشجار من حيث تثبيت نباتاته للنيتروجين  الجوى , وهو ما قد يساهم فى خفض كميات السماد النيتروجينى التى تضيفها الشركات والمزارع للأشجار مما يخفض من تكاليف الإنتاج لديها ويعود بالنفع عليها .
وفى الموسم الشتوى الثانى : سيتم تعميم التجربة الموثوق من نجاحها على جميع مزارع الفاكهة الصحراوية بالجمهورية , حيث سيكون قد تم فى الموسم السابق له إنتاج كميات البذور التى تغطى كل تلك المساحات الشاسعة , وهو ما سينتج عنه إنتاج كميات مهولة جدا من محصول الفول البلدى أو الرومى -تترك حرية اختيار الصنف للمزارع- , وفى الموسم الثانى ستستثنى منطقة وادى النطرون من زراعة الفول البلدى أو الرومى الذى تمت زراعته هناك فى الموسم الأول , وإنما ستزرع المزارع التى شاركت فى تجربة الموسم الأول بفول الصويا  حتى يتم إنتاج كميات بذور فول الصويا اللازمة لزراعة جميع مزارع الفاكهة الصحراوية المستديمة الخضرة بالجمهورية وهكذا .
بدءا من الموسم الثالث , ستزرع كل المزارع بفول الصويا لهذا الموسم , ثم فى الموسم الذى يليه ستزرع بالفول البلدى , تبادلا بين المحصولين عاما بعد عام , لأن خبراء الزراعة ينصحون بعدم زراعة أى صنف فول فى أرض واحدة لموسمين متتاليين .
مكافحة الهالوك : ستتم يدويا من خلال عمال الرى الثابتين , الذين من خلال مرورهم على النقاطات والوصلات . سيصطحب كل منهم سكينا أو شرشرة يقطع بها أى نبات هالوك ظاهر أمامه , ويراعى أن يتم الانتهاء من مكافحة الهالوك قبل بدء تزهيره .
التصرف فى المحصول : بالنسبة للفول البلدى أو الرومى : فإنه سيقل سعره تماما , ولن يتحمل مستهلكه إلا أسعار النقل من المزارع الصحراوية إلى المدن مع هامش ربح بسيط للشركات ولوزارة الزراعة كليهما , أى سيكون سعر كيلو الفول البلدى فى حدود 25 قرشا تقريبا , مما يساهم فى إطعام الأفواه الجائعة من المعدمين الذين لا يجدون قوت يومهم , ويراعى أن يتم إكمال القيمة الغذائية لهؤلاء المعدمين من خلال توفير أى نوع من الجبن بأسعار مناسبة فى الأسواق مع الفول , لتعويض الأحماض الأمينية التى لا تتواجد فى الفول بشرط ألا يتم تناول الفول مع أى مصدر بروتينى آخر فى نفس الوقت لأن بروتين الفول يمنع هضم أى بروتين آخر متواجد معه , أما بالنسبة لخلطات الأعلاف , فستنتج كميات مهولة من تبن الفول , ومن حباته , حيث ستساهم إلى حد كبير فى التوقف عن استيراد أعلاف من الخارج أولا , وثانيا ستساهم فى خفض أسعار الأعلاف  مما ينتج عنه انخفاض أسعار اللحوم بجميع أنواعها .

بالنسبة لفول الصويا : سيكون التركيز عليه أكبر , حيث أن نسبة البروتين المهضوم به حوالى 45% , كما أنه يعتبر من محاصيل الزيت , ولهذا سيوجه جزء من المحصول إلى معاصر الزيت لاستخلاص الزيت منه مما يقلل من كميات الزيت المستوردة من الخارج مما يخفض من أسعارها , إضافة إلى ذلك سيوجه جزء آخر من المحصول إلى مصانع الصناعات الغذائية , لإنتاج ألبان فول الصويا , ولحوم فول الصويا . 

الخميس، 12 يناير 2017

مصر كأقوى رابع اقتصاد فى العالم

                                         بسم الله الرحمن الرحيم
كان هذا عنوان محاضرة شهدتها فى ساقية الصاوى فى أول زيارة لى إلى الساقية والتى أحسبها تأخرت كثيرا , وربما تكون النظرة الاقتصادية التى تنظر إلى الاقتصاد المصرى بوصفه مرشحا ان يكون يوما ما أقوى رابع اقتصاد فى العالم هى نظرة متفائلة أكثر من اللازم , إذ كيف لدولة تصل نسبة من هم تحت خط الفقر من سكانها أو قريب من هذا الخط إلى حوالى نصف عدد السكان أن يصبح اقتصادها رابع أقوى اقتصاد فى العالم ؟
لكننى بعد استماعى للمحاضرة قد زادت -ولا شك- ثقتى فى الاقتصاد المصرى الذى لم يقل المحاضر أنه سيكون رابع أقوى اقتصاد فى العالم خلال السنوات القادمة , وإنما كان صريحا مع نفسه ومع مستمعيه وقال أن هذا يمكن ان يتحقق فى مدى زمنى نهايته عام 2050, وهنا يظهر العيب الثانى لتلك النظرة , فهى قد وضح أن تفاؤلها فى محله وليس أكثر من اللازم , لكن الناس تريد تغييرات سريعة وملموسة , فحتى ياتى عام 2050 سيكون هناك أناس عاشت وأناس ماتت كما يقول المثل الدارج , وسيرا على سياق الأفكار الجريئة للمحاضرة أقدم فى هذه السطور خارطة طريق وخططا -التخطيط هو مملكتى الأولى- لكى يكون الاقتصاد المصرى حقيقة وفعلا من أقوى عشرة اقتصادات فى العالم , ليس عام 2050 , ولكن خلال السنوات الخمس القادمة , أى انه يمكن بحلول عام 2017 أن يكون الاقتصاد المصرى أقوى عاشر اقتصاد فى العالم .
بادئ ذى بدء أقرر أن بساطة تخطيط وتنفيذ الأعمال الكبرى يكون دائما سرا من أسرار نجاحها , فبعيدا عن التعقيدات العلمية الاقتصادية أحب أن أخطط للاقتصاد المصرى مثلما أخطط لميزانيتى الشخصية أو لميزانية بيتى فحسب , هناك رواية بلغتنى منذ ثلاثة أعوام أن من يوشك أن يعمل مديرا لإحدى المزارع الكبيرة بإحدى الشركات الزراعية الكبرى -دالتكس وهذا ليس إعلانا- , وفى أول لقاء له مع رئيس مجلس إدارة الشركة قال له انه سيتعامل مع المزرعة ككل مثلما يتعامل مع حافظة نقوده , أى ان من يريد أن يأخذ منها جنيها واحدا سيقول له : لماذا؟
وهذه هى النظرة التى أنظر بها لاقتصاد الدولة ككل من خلال أربع محاور رئيسية يجب وينبغى ويلزم أن نبدأ فى العمل بها ووفق هداها , حتى يكون الاقتصاد المصرى واحدا من أقوى عشرة اقتصادات فى العالم بعد خمس سنوات فقط لا غير .
المحور الأول : هو محور الواردات , فينبغى العمل على تقريب رقمها الإجمالى السنوى من صفر , والوصول برقم واردات دولة ما إلى صفر يكاد يكون مستحيلا , لكن الوصول إلى أقرب نقطة ممكنة من هذا الرقم ممكن ومتاح حتى وإن بدا صعبا , وإنجاز عمل كهذا يبدأ بحصر كل ما تستورده مصر من سلع , سواء عن طريق الحكومة أو القطاع الخاص , ثم البدء فورا بمنع استيراد أية سلعة لها نظير موجود فى مصر بل وتجريم ذلك , وبالنسبة للسلع التى ليس لها نظير موجود فى مصر يتم فتح الباب سريعا لإنتاج هذا النظير على الأراضى المصرية , ولا فرق بين أن تكون الشركة المنتجة مملوكة لمصريين أو انها استثمار أجنبى , المهم أن الشركة موجودة فى مصر تعمل وفق القوانين المصرية وأغلب العاملين بها مصريون , فمثلا شركات السيارات العاملة هنا فى مصر عليها أن تهيئ نفيها سريعا لقرار سيصدر بمنع استيراد السيارات نهائيا من الخارج , وكل شركة تريد أن توجد لنفسها سوقا فى مصر فعليها أن تنشئ مصنعا للتجميع على الأراضى المصرية , أما استيراد سيارات كاملة من الخارج فلا , وهو اتجاه قطعت الشركات الألمانية فيه شوطا منذ سنوات , فشركة مرسيدس بدأت فى إنتاج سيارتها المعروفة باسم "عيون" من مصنعها بالعبور فى نفس توقيت بدء إنتاج نفس السيارة فى ألمانيا , وشركة BMW افتتحت منذ سنوات خطا لإنتاج إحدى سياراتها الفاخرة التى تنافس سيارات المرسيدس الفاخرة , وذلك فى مصنعها بمدينة 6 أكتوبر ثقة من الشركة فى السوق المصرى وفى الأيدى العاملة المصرية التى يمكنها إنتاج منتج فاخر كهذا , وما يقال عن السيارات يقال عن أية سلعة كبر شأنها أو صغر , فمنذ سنوات قرأت كلاما منسوبا لأحد كبار المسئولين بهيئة السكة الحديد , يقول أن عمرة الجرار تستلزم استيراد حوالى عشرة ألاف قطعة -على ما أذكر- , وكلامه هذا يعتبر سبة فى جبين الصناعات المعدنية لدينا هنا فى مصر , أو كأنه ليس لدينا حتى ورش للخراطة حتى نستورد من الخارج القطع اللازمة لعمرة القطارات!
إذن المحور الأول وهو محور الواردات يستلزم العمل بسرعة وقوة وجدية على تقليل رقم الواردت من الخارج إلى أقل ما يمكن فهذا أول ما سيقيم الاقتصاد المصرى على قدميه من جديد , حيث ستنشأ صناعات كثيرة لسلع كنا نستوردها من الخارج ستساهم فى تشغيل أيدى عاملة لا حصر لها , وفى نفس الوقت سنحافظ على عملتنا الصعبة التى ننثرها على الأرض فى استيراد ألبان ومكرونة من الخارج! كل ما يمكننا إنتاجه فى مصر بأية طريقة يمنع تماما استيراده , وفى المقابل يتم تسهيل إنتاجه فى مصر , مثل الشاى الذى نستورده من كينيا وغيرها , كانت هناك تجربة رائدة منذ حوالى عشرين عاما لإنتاجه فى مصر تحت الصوب عن طريق شركات الأستاذ طاهر القويرى الذى لا أعلم أين هو الآن , والتفاح الأمريكى الفاخر لدينا فى مصر إنتاج للتفاح يقل بقليل عن درجة هذا التفاح الأمريكى مما يعطى وجاهة لعدم استيراده , فإذا سرنا فى هذا الاتجاه بتوسع , فساعتها لن نكون بحاجة إلى تنظيم حملات لشراء المنتج المصرى , بل العكس هو الصحيح وانه ساعتها لكثرة إقبال المصريين على شراء المنتج المصرى , ستنظم سفارات الدول الأخرى معارض وفعاليات لدعوتنا لشراء منتجات بلادها وساعتها يمكن أن نشاور عقلنا فى هل نشترى أم لا .
المحور الثانى : هو محور الصادرات , ينبغى أن يكون شعارنا القومى فى المرحلة القادمة هو نفس الشعار الذى رفعته شركة Power الأمريكية العاملة فى مجال التكييفات هنا فى مصر منذ سنوات وهو "سكوت ..حانصدر!" , مع الاعتذار للنحو والصرف , فبالرغم من أن الشركة فى الأساس أمريكية , إلا أن غالبية من يعملون بها بل ويديرونها مصريون , ووصل الأمر بهم إلى تصدير منتجاتهم من التكييفات المصنوعة فى مصر إلى دول الخليج العربى , وهو نجاح يحسب لهم انهم استطاعوا أن يقنعوا المستهلك الخليجى بأن منتجهم المكتوب عليه : صنع فى مصر , أفضل من المنتج الآتى لهم من أمريكا أو اوروبا أو حتى اليابان بجلالة قدرها !  التصدير ينبغى أن يكون هو قانون المجتمع المصرى فى المرحلة القادمة , لا يهم ماذا نصدر ولا يهم إلى من نصدر -باستثناء إسرائيل طبعا- , المهم أن نصل برقم صادراتنا إلى أكبر ما يمكن , وهذا ما يحتاج إلى شئ من التفصيل فى السطور التالية :
منذ بضعة عشر عاما قرأت مقالا لأحد كتاب المقالات فى أخبار السبت -أخبار اليوم ولا أذكر من هو تحديدا- يقول فيه أن صديق له من إسرائيل جاء لزيارته فى بيته المطل على النيل , حيث يبدو أنه لأول مرة يرى النيل فى حياته , فقال : هل هذا هو النيل ؟ فأجابه أن نعم , فقال الرجل الإسرائيلى : إننا لو أن لدينا هذا النيل فى إسرائيل لأغرقنا أسواق العالم بإنتاجنا الزراعى , وهذا ما ينبغى أن نركز عليه فى الفترة القادمة , أننا بلد زراعى بالأساس , وأن صادراتنا الزراعية تحتل رقما متقدما فى قائمة صادراتنا إلى الخارج , وهو ما يفرض علينا أن نزيد دائما حجم تلك الصادرات بتشجيع الشركات الزراعية المصرية على زيادة صادراتها دائما , وعلى توسيع حجم استثماراتها دون عوائق , ووفق ضوابط  لضمان الاستمرار فى الجدية , والصادرات الزراعية ليس شرطا أن تكون منتجات طازجة , بل إن التصنيع الزراعى قد فتح له مجالات كثيرة فى الخامات الزراعية , وهذا معناه أن الاهتمام بصادرات الرافد الزراعى سيصاحبه زيادة فى صادرات الصناعات القائمة عليها , ففى مدينة الصالحية الجديدة يوجد مصنع لتعبئة الفاكهة يصدر إنتاجه للكثير من دول أوروبا التى تتهافت على ذلك الإنتاج , ولا يضعون شروطا وعوائق عليه مثلما حدث إبان مشكلة بذور الحلبة المصرية منذ شهور .
وينبغى كذلك أن نتعلم من الطريقة التى غزت بها الصين أسواقنا , فقد درسوا الأسواق الخارجية جيدا , وعرفوا ما الذى تحتاجه تلك الأسواق , وذلك من واقع العادات المتبة فى تلك البلاد مثل فوانيس رمضان فصدروا لنا الفوانيس , ومثل سجادات الصلاة فصدروا لنا السجاجيد والمسابح فصدروها لنا كذلك بالرغم من انهم شيوعيون! لكنهم درسوا الأسواق الخارجية جيدا وعرفوا احتياجاتها , وهو ما ينبغى علينا فعله بحيث ألا نضيع الكثير من الوقت فى تلك الدراسات , ولنبدأ من الإنتاج الزراعى أو الزراعى الصناعى , فمثلا الأوروبيون يحتاجون بشدة للمنتجات الزراعية التى ترفع المناعة ضد أمراض الشتاء مثل الموالح والجوافة , إذن فلنكثر من صادراتنا لهم من تلك المنتجات , وفى موسم عيد الميلاد يحتاجون لمليارات من زهور القطف الطازجة , إذن فعلينا قبل كل كريسماس أن  نجهز إنتاجنا الغزير من زهور القطف التى يحتاجونها , والإنجليز يقبلون على أكل البطاطس الصغيرة -البيبى- فى الشتاء إذن فلنكثر من زراعتها ولنكثر من تصديرها للإنجليز , والإخوة الكويتيون يقبلون بغزارة على استعمال الزعفران , حتى أنه منذ بضعة عشر عاما كتبت إحدى مجلاتهم أن نصف إنتاج العالم من الزعفران تستورده الكويت وحدها , إذن فلنكثر من إنتاج الزعفران ولنصدره إليهم , وليكن إنتاجنا المصدر لهم ذا ميزة نسبية فيما يخص الأسعار وهكذا , أن نفهم جيدا احتياجات الأسواق الخارجية وأن نعمل على إنتاج تلك الاحتياجات هنا فى مصر ونصدرها إليهم كما فعلت الصين , وما يقال عن الإنتاج الزراعى يقال عن أى مجال آخر يصدر إنتاجه للخارج .
الشئ الآخر الذى يخص التصدير هو أسعار التصدير وهذا بند مهم للغاية , وربما يسبقنى قارئى الكريم إلى فهم ما سأقوله قبل أن أقوله وهو أسعار الغاز الذى نصدره بتراب الفلوس , إن كل سلعة فى الدنيا لها سعر عادل يحقق مصلحة المنتج والمستهلك , فمادامت الدول المستوردة -وهى ليست إسرائيل أو الأردن فقط وإنما يبلغ عددها عشرة دول- تستفيد من الغاز المصرى إذن فإما أن تدفع فيه السعر العادل طبقا للأسعار العالمية وإما أن يشتروا من مصدر آخر , أما أن يفرضوا علينا أسعارهم فهذه هى البجاحة منهم وهو السفه منا! والواجب علينا أن نقطع تصدير الغاز فورا حتى يتم الاتفاق بشأن أسعاره , ثم تتم ملاحقة الدول المستوردة للغاز قانونيا فى المنظمات الدولية من أجل تحصيل فروق الأسعار التى اشتروا بها الغاز فى السنوات الماضية , وهناك مثال آخر يخص أسعار التصدير , ففى فترة وجودى فى شركة الجبالى فروت قال أحد قدامى المهندسين بها أن التصدير العربى -أى للدول العربية- ليس ذا فائدة اقتصادية كبيرة للشركة , وإنما هى مجرد أرقام فقط تضاف لأرقام صادرات الشركة , وهذا لأن فروق الأسعار بين الجنيه المصرى وبين العملات العربية ليست مثل الفروق بين الجنيه المصرى واليورو , وكلامه هذا كان يستتبع وقفة من الشركة ونظيرتها من الشركات مع سياسة التسعير للدول العربية , فمادام سعر صرف الجنيه المصرى بالنسبة للدول العربية يتسبب فى انخفاض أرباح الصادرات إليها , إذن فليتم رفع سعر تلك المنتجات حتى تحقق ربحا جيدا , وليكن المبدأ الذى يحكم أسعار الصادرات هو أن من يشترى سلعة ما فعليه أن يدفع الثمن العادل لها وإما أن يحصل عليها من مصدر آخر , أما نحن فلن نبيع منتجاتنا إلا بسعرها العادل .
المحور الثالث : هذا المحور يترفرع إلى ثلاثة روافد هى : 1- زيادة أرباح المؤسسات أو الأنشطة التى تدر ربحا لا يتناسب مع وضعها الاقتصادى .
2- تغيير سياسة المؤسسات أو الأنشطة التى لا تدر بحا لكى تدر أرباحا جيدة مادية وعينية.
3- القضاء على الفساد بشتى أشكاله وصوره .
فبالنسبة للرافد الأول , تندرج تحته الكثير من المؤسسات والأنشطة الاقتصادية , فمثلا قناة السويس نديرها مثل ترعة تعبرها السفن وتقطع تذاكر نظير ذلك وهو وضع كلما تخيلته ترتسم ابتسامة ساخرة على وجهى , فإن قناة السويس وحدها كافية لرخاء ورفاهية الشعب المصرى , ولا ننس أن مشروع منطقة ميناء جبل على الموجود على أرض الإمارات كان مخططا له فى البداية أن يكون بالقرب من مدينة السويس , وجاء المستثمرون المؤسسون للمشروع وقتها ليأخذوا التراخيص من الحكومة المصرية وليبدأوا فى العمل , لكن الحكومة المصرية وقتها هى التى قمت بالتضييق عليهم حتى تركوا المشروع وذهبوا لمكان آخر أكثر جذبا للاستثمارات وأكثر احتراما للمستثمرين , وعلى كل فقناة السويس ليست مجرد ترعة لعبور السفن , وإنما هى منطقة منطقة لتقديم جميع الخدمات التى تحتاجها السفن , وهذا هو الوضع الذى ينبغى العمل فيه من الآن , بحيث ندعو المستثمرين فى مجال تقديم خدمات السفن من كل أنحاء العالم ان ياتوا إلى قناة السويس لينشئوا شركاتهم , بحرية ودون عوائق إلا من الضوابط القانونية المنظمة لعمل تلك الشركات , والتى ينبغى أن تكون متشابهة مع نظيرتها فى كل دول العالم , وما يقال عن قناة السويس يقال أيضا عن السياحة التى يُنظر إليها على أنها فقط نشاط اقتصادى يستهدف خلق فرص عمل دون أن يكون له مردود جيد على خزانة الدولة , فيكفى أن نعلم أن ال12 مليار دولار التى تدرها السياحة سنويا وهى فى حالة الرواج , هى أقل مما يدره محصول البرتقال المصدر للخارج سنويا , ولذلك وجب أن يتم تطوير منظومة العمل السياحى بحيث ترتفع عائداته ارتفاعا رأسيا أى بنفس عدد السياح القادمين حتى وأن لم يزد عددهم كثيرا , وذلك بدراسة بيئاتهم جيدا وتوفير السلع التى كانوا يودون رؤيتها هنا فى مصر مثل الكلات الشائعة فى بلادهم وغيرها , وتصميم برامج الرحلات السياحية جيدا وبدقة بحيث يتم إقناع السائح بإنفاق أكبر قدر ممكن من المال أثناء وجوده هنا فى مصر .
وأما الرافد الثانى : فهناك أنشطة لا تأتى بأية عائدات على خزانة الدولة بالرغم من أن نفس تلك النشطة تدر الكثير على خزائن الدول الأخرى , والمثال الأوضح لذلك هو النشاط الرياضى الذى يستنزف أموالا ولا يدر أموالا , وهذا عكس ما يحدث فى الخارج , حيث أن تنظيم الدول الأوروبية للبطولات تنتج عنه عائدات مالية كبيرة اصالح تلك الدول نتيجة حسن التنظيم , وتنتج عنه كذلك دعاية سياحية كبرى لتلك الدول , وهذا ما نبه عليه الكابتن شوبير منذ أيام , حيث تكلم عن أن الرياضة كان ينبغى أن تكون خادمة للسياحة فى هذه اللحظات الحرجة التى تمر بها , ففى ظل الظروف الراهنة كان يجب إقامة أية بطولة ودية تحت سفح الهرم مثل بطولات الاسكواش التى كانت تتم تحت سفح الهرم , وهو ما نتجت عنه دعاية سياحية كبيرة لمصر دون أن ندفع فيها شيئا , وما قاله الكابين شوبير ينبغى أن يكون سياسة عامة وليس حدثا عارضا , أى أن كل اتحاد من الاتحادات الرياضية ينبغى أن يكون فى جدول أعماله لكل سنة تنتظيم بطولة ودية واحدة على الأقل تحت سفح الهرم , حيث تكون كل الصور المنشورة فى الصحف العالمية خلفيتها هى الهرامات التى يعشقها السائحون فى كل العالم , فتنظيم بطولة لكرة السلة تحت سفح الهرم ستتبعه زيادة فى السائحين الأمريكيين , وإقامة بطولة لكرة اليد ستتبعه زيادة لأعداد السائحين السويديين وهكذا , وبذا تكون الرياضة خادمة للأنشطة الاقتصادية الأخرى , وذات مردود مادى على خزانة الدولة.
وما يسير فى نفس الاتجاه هى السياحة العلاجية التى يمكن أن تكون المؤسسات العلاجية فى مصر مصدرا من مصادر الدخل القومى عن طريق التخصص فى أحد التخصصات النادرة , ومن ثم ياتى طالبوا العلاج فى هذا التخصص إلى مصر من كل العالم , ولهذا مثالان أحدهما من الداخل والآخر من الخارج : فاما الذى من الداخل فهو يتعلق بمدينة الزقازيق , التى بعد انتشار مركز الأشعة المتقدمة بها منذ سنوات قد أصبحت من علامات السياحة العلاجية فى مصر , وأاما المثال الذى من الخارج فهو يتعلق بالمملكة العربية السعودية , حيث بعد نجاح عدد من عمليات فصل التوائم الملتصقة هناك فى السنوات الماضية , قد أصبحت المستشفيات السعودية قبلة لكل التوائم الملتصقة فى كل العالم لإجراء تلك الجراحات هناك .
الرافد الثالث : وهو القضاء على الفساد بكل صوره , وهذه قضية مجتمع قبل أن تكون قضية الأجهزة الرقابية وحدها , فمن يقرأ فى نهاية كتاب "وبدأ العد التنازلى" للدكتور /مصطفى محمود -رحمه الله- يجد انه فى الوصايا العشر التى كتبها للرئيس السابق أن أكثر ما يهدد مصر هو الفساد المالى والإدارى , وهذا ربما يوضح أن عدم استماع الرئيس السابق لتلك النصيحة بالذات هو الذى أدى به إلى ما نعرفه , وهو الذى أدى باقتصاد مصر إلى ما نعرفه أيضا وما خفى فيه كان أعظم!  الفساد هو الذى يأكل كل ثمار التنمية بحق , وهذا ما قاله المحاضر صراحة فى المحاضرة التى اشرت إليها , حيث قال : إن ثمار التنمية لا تأكلها الزيادة السكانية وإنما يأكلها الحرامية!
المحور الرابع والأخير : هو الشخصية القيادية الكاريزمية : فكل الدول التى حققت طفرات اقتصادية فى كل العالم كانت تحظى بالمواكبة مع ذلك بشخصيات قيادية , تلك الشخصيات كانت لديها القدرة على اتخاذ القرارات المصيرية الجريئة التى تمس حياة الملايين أو عشرات الملايين من شعوبهم , وكانت لديهم القدرة كذلك على ضرب مافيات الفساد فى بلادهم -ليست مافيا واحدة- , ولديهم القدرة على ضرب أصحاب المصالح أو الحيتان الكبار أو من كان يسميهم المرحوم الأستاذ جلال الحمامصى : القطط السمان!
إن النهضة الاقتصادية لابد لها من قائد يستطيع أن يجرى جراحات خطيرة فى جسم الاقتصاد الوطنى بمهارة بحيث ينهض اقتصاد بلاده , ويحقق طفرات كبيرة , وفى نفس الوقت مع أقل قدر ممكن من الخسائر المتمثلة فى نسبة بسيطة من المضارين من قراراته , والذين سرعان ما ستعود الفوائد العامة للنهضة الاقتصادية عليهم هم أيضا.
هذه هى روشتتى وخططى لكى يكون الاقتصاد المصرى واحدا من أقوى عشرة اقتصادات فى العالم بإذن الله , أهديها إلى ساقية الصاوى كيانا وعاملين وكل شئ يتعلق بها , وأهديها إلى المحاضر الذى ألقى المحاضرة التى أشرت إليها , والذى وجده مستمعوه حافظا لكتاب الله شديد الانتماء لبلده وعروبته , وكل هذا بالرغم من فترات إقامته فى دول الغرب مثل أمريكا وكندا , وكذلك أهديها للشباب الناشئ الذى رأيته فى الساقية , فمنهم طفل فى الرابعة عشرة من عمره ألقى شعرا قام فيه بتعرية مجتمع بأكمله , ومنهم شاب يكبره بحوالى عامين كان الأدب يفوح من كلامه مع من هو أكبر منه , حيث أننا أمام جيل جديد لم يتلوث وجدانه , ولم تتلوث أخلاقياته بالركوع والسجود لأعداء وطنه من الداخل أو الخارج , فعلى أكتاف هؤلاء ستصبح مصر دولة عظمى بحق , أما الأجيال الحالية فأشك فى قدرتهم على عمل شئ ذى بال .