الجمعة، 7 أبريل 2017

سيدنا عمر بن الخطاب فى مكتب المرشد العام (2)

بسم الله الرحمن الرحيم
للمرة الثانية , أتخيل أن سيدنا عمر بن الخطاب يأتى إلينا فى زيارة قصيرة من العالم الاخر , وللمرة الثانية يختار هو مكتب المرشد العام للإخوان المسلمين مقرا لهذه الزيارة التى لن تطول مدتها أكثر من المدة المعتادة لشرب كوب من الشاى مع المرشد العام , وقد دار بينهما الحوار التالى :
قال المرشد العام : مرحبا بكم فى زيارتكم لنا , نريد روشتة سريعة لإصلاح الأوضاع الاقتصادية فى مصر , فإن الاحتياطى الأجنبى قد قارب على النفاذ , مما ينذر بكارثة اقتصادية .
قال سيدنا عمر : هل لم تنفذوا شيئا مما قلته فى الزيارة السابقة؟
قال المرشد العام : للأسف لم تسنح الفرصة , وانشغلنا بالقلاقل والاضطرابات التى عمت البلاد .
قال سيدنا عمر : هذا ليس عذرا , ألا تذكر قول شوقى : وما استعصى على قوم منال  .... إذا الإقدام كان لهم ركابا؟
قال المرشد العام : وهل تحفظ أشعار شوقى أيضا؟
قال سيدنا عمر : نحن فى العالم الآخر على دراية تامة بكل أحوالكم , ولهذا سنتكلم فى الإصلاحات السريعة عن إلمام بمشاكلكم .
قال المرشد العام : من أية نقطة نبدأ؟
قال سيدنا عمر : بالمبدأين اللذين يغفل عنهما كل حاكم فى الدنيا , واللذين إن استوعبهما أى حاكم فإنه يريح ويستريح .
قال المرشد العام : وما هما ؟
قال سيدنا عمر : الأول هو أن الحاكم ليست مهمته أن يرزق الناس , وإنما مهمته أن يعدل بينهم فى توزيع تلك الأرزاق , فالأرزاق تأتى وحدها , وهو ما غفل عنه الرئيس السابق حين قال : أوكلكم منين؟
قال المرشد العام : والثانى؟
قال سيدنا عمر : الثانى أنك لن تستطيع أن تدير اقتصاد دولتك إلا بنفس الطريقة التى تدير بها اقتصاد حافظتك الشخصية , فما ترتضيه لحافظتك الشخصية ترتضيه للخزانة العامة للدولة , والعكس بالعكس .
قال المرشد العام : وما هى تطبيقات المبدأين على أرض الواقع؟
قال سيدنا عمر : كم تبلغ الميزانية السنوية للدولة كلها؟
قال المرشد العام : فى حدود 400 مليار جنيه .
قال سيدنا عمر : وفيم تنفقونها ؟
قال المرشد العام : فى بنود كثيرة لا حصر لها .
قال سيدنا عمر : أغلبها ينبطق عليه السفه فى الإنفاق وهو ما لا ترتضيه لحافظة نقودك , فلماذا ترتضيه لخزانة الدولة التى استأمنك الله عليها؟
قال المرشد العام : ماذا تعنى؟
قال سيدنا عمر : فى المؤتمر الصحفى الأخير للهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح , قال المهندس خيرت الشاطر أن خدمة الدين العام تستنزف 170 مليار جنيه سنويا , وأن الدعم يستنزف 120 مليار جنيه سنويا , وهكذا تضيع الميزانية كلها فى لا شيئ .
قال المرشد العام : وماذا ترى إزاء ذلك ؟
قال سيدنا عمر : نعود لمبدأ أن مهمة الحاكم هى إدارة اقتصاد بلده كاقتصاد حافظته الشخصية , وهذا معناه أنك تعمل على تخفيض تلك المبالغ ولديك طرق كثيرة لهذا .
قال المرشد العام : مثل ماذا ؟
قال سيدنا عمر : بداية ينبغى أن تكون الإجراءات المتخذة جريئة وحاسمة , لأن الأيدى المرتعشة لن تنفع فى هذه الظروف , فبالنسبة لما يدفع من فوائد ربوية تسمى بخدمة الدين , فهذه يدفع منها ما يعادل ستة مليارات فقط لخدمة الدين الخارجى , بينما يدفع باقى ال170 مليارا لخدمة الدين الداخلى , وهذه نعمة من الله , فمادام فى يدكم التشريع والتنفيذ , فبإمكانكم أن تصدروا من القوانين والتشريعات , ما يخفض سعر الفائدة الربوية على الديون الحكومية إلى صفر , ومن الممكن أن يكون ذلك بأثر رجعى , وبهذا فسيزاح عن كاهل الميزانية مبلغ ال170 مليار التى تدفع كفوائد ربوية , وأيضا من الممكن أن تتحول الحكومة المدينة إلى جهة دائنة .
قال المرشد العام متعجبا : وكيف هذا ؟
قال سيدنا عمر : إذا جعلتم التشريعات الخاصة بإلغاء الفوائد الربوية على الديون الحكومية بأثر رجعى , وكانت هناك جهات قد تحصلت على أكثر من مبلغ الدين الأصلى لها , فستتحول إلى جهات مدينة لخزانة الدولة بما تقاضته كفوائد ربوية , يمكنكم أن تقوموا بجدولتها كى تستطيع تلك الجهات سدادها إلى خزانة الدولة بأريحية .
قال المرشد العام : ما رأيكم فى القرض الذى سوف نقترضه من البنك الدولى؟
قال سيدنا عمر : وما حاجتكم إلى الاقتراض ؟
قال المرشد العام : نريد أن نحصل بالموافقة على القرض على شهادة ضمنية بان اقتصادنا حالته جيدة , مما يجذب المستثمرين من الخارج ؟
قال سيدنا عمر : كلا لا أوافق على هذا , فبالنسبة للشهادة التى تتكلم عنها , فيمكنكم أن تحصلوا على الكثير من الشهادات من خلال مؤشرات أخرى كمعدل النمو , وحالة الاستقرار فى البلاد , والمناخ العام للاستثمار , إننى أتعجب كيف لأناس هم فى الأساس أهل فقه ودعوة أن يقدموا على الاقتراض بربا؟
قال المرشد العام : لكننا قد قطعنا خطوات فى سبيل إتمام إجراءات القرض .
قال سيدنا عمر : وهذه هى فرصتكم أن تحصلوا على الشهادة التى كنتم تبحثون عنها , لكن مجانا بدون قرض .
قال المرشد العام : وكيف هذا ؟
قال سيدنا عمر : تخاطبون البنك الدولى بتراجعكم عن طلب القرض نظرا لثقتكم فى الاقتصاد المصرى , حيث أنكم فى الحقيقة لا تحتاجون القرض .
قال المرشد العام : وماذا عن الدعم؟
قال سيدنا عمر : يلغى تماما عن الجهات أو الفئات التى لا تستحقه , ولا تؤثر فيكم الصرخات التى ستسمعونها من تلك الجهات أو الفئات , لأن الدافع لهم للصراخ والاعتراض سيكون الطمع والجشع , وليس الحق .
قال المرشد العام : هل من أمثلة لهذا؟
قال سيدنا عمر : المفترض فى فكرة الدعم أنه مساعدة تعطيها الدولة لمن يحتاجون إلى المساعدة من أفرادها , فمن لا يجد رغيف الخبز ليأكل , أو لا يجد الماء النظيف ليشرب , أو أى من تلك السلع الأساسية , فمن الواجب على الدولة أن تدعم له تلك السلع , لكن من يمارس نشاطا تصديريا , بحيث يبيع إنتاجه للخارج , ويكسب من فاروق أسعاغر العملات , فكيف تعطيه دعما من خزانة الدولة , وبأية حجة أصلا؟
قال المرشد العام : صحيح , وهل هناك أمثلة أخرى؟
قال سيدنا عمر : الأمثلة لا حصر لها , فهناك صناعات تستهلك طاقة كثيرة , ومع ذلك تحاسبون المصانع والشركات بأسعار مدعمة , والمنتج يكسب عدة مرات : مرة من الدعم الذى يأخذه سحتا حراما لأنه لا يستحقه وإنما الذى يستحقه هو الفقير المعدم , ومرة عندما يبيع إنتاجه بأسعار مرتفعة , خاصة أن الأسعار غير مسيطر عليها عندكم , وكل منتج يسعر سلعته كيفما يشاء .
قال المرشد العام : هذا ما كنت أريد أن أسأل عنه , وهو الأسعار الجنونية التى ترتفع من حين لآخر , كيف نسيطر عليها؟
قال سيدنا عمر : قبل أن أدلكم على هذا أنصحكم أن تضعوا أيديكم فى أيدى الاتحاد العام للغرف التجارية , فهم أناس مخلصون , وتأخذوا منهم النصائح والبيانات اللازمة لترشيد الدعم , وإيصاله إلى مستحقيه فقط , ستأخذون منهم بيانات بالصناعات والأنشطة غير المستحقة للدعم , وستأخذون منهم بيانات بالسلع غير المستحقة للدعم , وستأخذون منهم نصائح بآليات لكيفية الانتقال السلس من حالة الدعم لكل شيئ , إلى حالة الدعم المرشد الواصل إلى مستحقيه .
قال المرشد العام : وبالنسبة للأسعار ؟
قال سيدنا عمر : لكى تسيطر على الأسعار أمامك عدة طرق , اختر منها ما تشاء , فيمكنكم أن تضعوا تسعيرة على سلع بعينها , والاتفاقية الدولية ةلحرية التجارة تسمح بهذا , يمكنكم أن تسعروا الدواء وهو مسعر بالفعل , ويمكنكم أن تسعروا الخبز , والزيت والسكر , والطماطم والأرز والمكرونة , وكل ما ترون أنها سلعة أساسية يحتاجها الناس وتتأثر حياتهم بإرتفاع أسعارها , وهناك طرق أخرى مثل أن تزيد من المعروض فتقل الأسعار وذلك بطريقتين : إما أن تقوم بضخ مزيد من تلك السلع فى الأسواق عن طريق شحنات تم استيرادها , ويكون سعرها فى الخارج أقل من الأسعار التى يبيعها بها التجار الجشعون , وإما أن تزيد الإنتاج من تلك السلع محليا , وبالتالى ترخص أسعارها , أمامكم طرق كثيرة المهم هو الفعل .
قال المرشد العام : وإذا لجأنا إلى التسعير كيف نقوم بهذا ؟ وما هى آلياته؟
قال سيدنا عمر : لكى تسعر لابد من جهتين أساسيتين تساعدانك , الجهة الأولى هى التى تقوم بالتسعير , حيث تضع أسعارا عادلة تحقق مصلحة المنتج والمستهلك معا , بحيث يربح المنتج أرباحا معقولة فلا يتوقف عن الإنتاج , وأيضا يجد المستهلك السلعة فى متناول يده , وهذه الجهة هى الاتحاد العام للغرف التجارية المصرية , وأما الجهة الأخرى فهى التى ستقوم بالرقابة على الأسعار المحددة , وأعنى بها مباحث التموين , ويمكنكم أن تشجعوا منظمات المجتمع المدنى على الاشتراك فى الرقابة أيضا , الأمر سهل وبسيط , المهم هو الفعل والإقدام .
قال المرشد العام : هل هناك نصائح أخرى؟
قال سيدنا عمر : نعم , ما هو أكبر بند فى ميزانية الدولة بعد هذين البندين؟
قال المرشد العام : أظنه رواتب الموظفين.
قال سيدنا عمر : طبعا هناك موظفون يتقاضون ملايين الجنيهات شهريا وليس سنويا .
قال المرشد العام : نعم .
قال سيدنا عمر : نعود ثانية إلى نظرية حافظة نقودك , فلو أنك تعطى للموظفين رواتب من تلك الحافظة فهل ستعطيهم الملايين  ؟
قال المرشد العام مبتسما : كلا بالطبع .
قال سيدنا عمر : وهو أيضا ما ينطبق على رواتب الموظفين التى تدفعها خزانة الدولة , ضع حدا أقصى للمبلغ الذى تدفعه الدولة كرواتب , وهذا المبلغ يكون متناسبا مع الحالة الاقتصادية العامة للبلاد , فإن كانت الحالة العامة جيدة ترتفع معها الرواتب , والعكس بالعكس .
قال المرشد العام : كم يبلغ مبلغ الحد الأقصى الذى تنصحنا به ؟
قال سيدنا عمر : سأدلك وأجعلك تجيب بنفسك , عندما كان الدكتور سعد الكتاتنى رئيسا لمجلس الشعب كم كان يتقاضى شهريا ؟
قال المرشد العام : فى البداية وجد أن راتبه يبلغ ثلاثة أرباع المليون جنيه شهريا , غير البدلات وغيرها .
قال سيدنا عمر : ثم ماذا ؟
قال المرشد العام : قام من تلقاء نفسه بتخفيض راتبه إلى ثلاثين ألف جنيه فقط , واشترك معه فى هذا رئيس مجلس الشورى أيضا .
قال سيدنا عمر : وما هو الموقع الذى يحتله رئيس مجلس الشعب فى البناء الهرمى للدولة؟
قال المرشد العام : هو الرجل الثانى فى الدولة .
قال سيدنا عمر : عظيم , فليكن الحد الأقصى للاجور فى هذه المرحلة الدقيقة هو ثلاثون ألف جنيه فقط لا غير , وخالصة من الضرائب .
قال المرشد العام : وهل سيقبل ذوو الأجور المرتفعة بهذا؟
قال سيدنا عمر : اعتبر أنك تعطيهم الرواتب من حافظة نقودك , وحالة الحافظة لا تسمح إلا بهذا فى الوقت الحالى , فمن يريد أن يستمر فى موقعه وفق هذا المبلغ فاهلا وسهلا , ومن لا يرغب فليرزقه الله من مكان آخر .
قال المرشد العام : إذن سيكون لدينا مبلغا ضخما فائضا عن ميزانية المرتبات .
قال سيدنا عمر : هذا الفائض ترفع به رواتب ذوى الأجور المنخفضة , بحيث لا يقل راتب أى موظف فى الدولة عن 1200 جنيه .
قال المرشد العام : وهل هناك نصائح أخرى؟
قال سيدنا عمر : يكفيكم هذا فى الوقت الحالى , كما أن كوب الشاى قد قارب على النفاد , وإذا أذن الله بزيارة أخرى , فليكن معك فيها المهندس خيرت الشاطر والدكتور مرسى .
قال المرشد العام : كما تأمر , لكن ما ×بار الفاروق الجديد؟
قال سيدنا عمر : يخضع لإعداد خاص الآن , لا تنشغل به كثيرا , لكل أجل كتاب .
تمت . 

السبت، 1 أبريل 2017

الفول ضد الجوع

بسم الله الرحمن الرحيم
من المعروف أن وجبة الفول هى من أكثر ما يستعين به المصريون على سد رمقهم , وسواء أكان ذلك فى الوجبات الثانوية وهى الإفطار والعشاء أو ما بين الوجبات , أو حتى فى الوجبة الرئيسية وجبة الغذاء , وتتعدد طرق إعداد الفول سواء أكان مدمسا أو مطبوخا , أو مصنها تصنيعا غذائيا شعبيا , فبالنسبة للفول المدمس , فتتنوع فنون إعداده مع إضافة مكسبات الطعم والروائح إليه , والتى تتم فى المطاعم الشعبية حتى لنكاد نجد أن لكل مطعم طريقته فى إعداد الفول المدمس , أو فى البيوت التى يلقى فيها الفول اهتماما خاصا من حيث إضافة مواد غذائية أخرى إليه كالبيض على الرغم من خطأ ذلك على ما سنبينه فيما بعد , وبالنسبة لكونه مطبوخا فيتم ذلك كخضار عادى مثل أى خضار أو كمدفونة فول فى الأرز  , وهذا يستخدم فيه الفول الأخضر , أو كفول نابت  وهذا يستخدم فيه الفول المجفف , وإما مصنعا تصنيعا شعبيا وأعنى بذلك الطعمية المصرية المشهورة , وبذلك يكون الفول من أكثر ما يعتمد عليه المصريون فى غذائهم .
ولا يتوقف استخدام الفول كمادة غذائية أساسية على بنى البشر من المصريين , ولكن تشاركهم الحيوانات فى ذلك أيضا , حيث أن الفول البلدى يحتوى على نسبة مرتفعة من البروتين المهضوم تبلغ 26% , كما أن تبن الفول هو ذو قيمة غذائية أعلى من تبن القمح , ففى حين أن محتوى تبن القمح من البروتين هو صفر , يحتوى تبن الفول على 2% بروتين مهضوم , مما يجعل الفول عموما  مادة علفية ممتازة , وبناء على كل ما سبق نشأت فكرة مشروع الفول ضد الجوع .
تتلخص فكرة المشروع فى زيادة ناتج الفول البلدى أو الرومى أو الصويا المنزرع محليا من خلال تحميله على محاصيل الفاكهة المنزرعة صحراويا , بما يهدف إلى :
1- الاستغناء تماما عن استيراد أى فول من الخارج  .
2- زيادة نسبة عنصر الفول فى منظومة الأعلاف المنتجة محليا , مما يقلل كثيرا من كميات الأعلاف المستوردة من الخارج , ومما يفتح الباب للاكتفاء الذاتى من محاصيل الأعلاف مما يترتب عليه أريحية فى إنشاء مشروعات الإنتاج الحيوانى كمشروع البتلو وغيره , والتى يمنع التوسع فيها ارتفاع أسعار الأعلاف .
3- جعل الفول سلعة غذائية بشرية شبه مجانية أو بسعر رمزى وذلك من خلال زيادة المعروض منه فى الأسواق , وهذا موجه إلى الفئات المعدمة التى لا تجد ثلاث وجبات فى اليوم , وإنما قد يمر عليهم اليوم واليومان دون وجبة واحدة , وبالنسبة لمحلات الفول والطعمية فإنها لن تتاثر بانخفاض أسعار الفول , لأنهم هم أنفسهم يقولون أن الفول المدمس الخام لا يحقق مكاسب , وإنما مكاسبهم تكون من الفول المدمس الذى جرى إعداده وتجهيزه بطرقهم المختلفة , أو من الطعمية أو الاكلات الأخرى التى تعدها محلات الفول والطعمية كالقنبيط أو المسقعة أو البطاطس وغيرها , أو من خلال المشهيات كالمخللات أو السلطات .
آليات الإنتاج :
فى الموسم الشتوى الأول سيتم تعميم التجربة فى مزارع الفاكهة بمنطقة وادى النطرون , حيث ستزرع أربعة حبات فول -أو حسب ما يحدده خبراء التكثيف الزراعى - بجوار كل نقاط رى , وبناء عليه سيتراوح عدد نباتات الفول بجوار كل شجرة ما بين أربعة إلى عشرين نباتا بجوار الشجرة الواحدة , ويراعى فى الأشجار ذات الأعمار الكبيرة أن تزحزح خراطيم الرى بعيدا عن الجذوع إلى الخارج , حتى يتسنى لنباتات الفول التعرض للشمس وهذا سيكون متبعا فى مزارع وأحواش الفاكهة المستديمة الخضرة التى تروى شتاء , بينما لن يكون ذلك متبعا فى مزارع وأحواش الفاكهة المتساقطة الأوراق التى يتم تصويمها شتاء .
وزراعة الفول بهذه الطريقة لن تستلزم أية تكاليف إضافية لإنتاجه إلا من بعض تكاليف المكافحة , والتى قد يستغنى عنها أيضا , حيث أن الكيماويات المستخدمة فى مكافحة آفات وأمراض أشجار الفاكهة ستعود بالنفع على نباتات الفول أيضا , كما سيتم التعامل مع الفول المنزرع  من قبل المزارع كما لو كان حشيشة , أى أن المفترض أن الشركات لا تزرعه من أجل الربح العالى , خاصة أن الهدف من زراعته هو النزول بأسعاره إلى أقل حد ممكن  , ولكن الشركات ستزرعه بناء على اتفاق بينها وبين وزارة الزراعة , حيث أن وزارة الزراعة هى التى ستمدهم بالبذور , والتى سيراعى فيها تحديد نسبة الإنبات بناء على الاختبارات التى تتم لتحديد تلك النسبة , مع تحديد عدد الحبات فى وحدة الوزن , وبناء على نسبة الإنبات مع تحديد عدد الحبات فى وحدة الوزن , ستتم محاسبة الشركات من خلال المقارنة بين كميات البذور التى تم توريدها مع المساحات التى تمت زراعتها وتحديد هل تمت زراعة الفول بجدية أم لا؟
وعند حصاد الفول سيكون هدف كل جهة -أى كلا من وزارة الزراعة التى هى مصدر البذور والشركات التى قامت بالزراعة -هو الحصول على هامش ربح بسيط أو على مجرد تكاليف الإنتاج , والتى ستكون بالنسبة للشركات والمزارع أقل ما يمكن , لان الفول سيروى مع الأشجار ,  وستتم مكافحة آفاته وأمراضه معها أيضا , كما أنه من الناحية الفسيولوجية سيعود بالنفع على الأشجار من حيث تثبيت نباتاته للنيتروجين  الجوى , وهو ما قد يساهم فى خفض كميات السماد النيتروجينى التى تضيفها الشركات والمزارع للأشجار مما يخفض من تكاليف الإنتاج لديها ويعود بالنفع عليها .
وفى الموسم الشتوى الثانى : سيتم تعميم التجربة الموثوق من نجاحها على جميع مزارع الفاكهة الصحراوية بالجمهورية , حيث سيكون قد تم فى الموسم السابق له إنتاج كميات البذور التى تغطى كل تلك المساحات الشاسعة , وهو ما سينتج عنه إنتاج كميات مهولة جدا من محصول الفول البلدى أو الرومى -تترك حرية اختيار الصنف للمزارع- , وفى الموسم الثانى ستستثنى منطقة وادى النطرون من زراعة الفول البلدى أو الرومى الذى تمت زراعته هناك فى الموسم الأول , وإنما ستزرع المزارع التى شاركت فى تجربة الموسم الأول بفول الصويا  حتى يتم إنتاج كميات بذور فول الصويا اللازمة لزراعة جميع مزارع الفاكهة الصحراوية المستديمة الخضرة بالجمهورية وهكذا .
بدءا من الموسم الثالث , ستزرع كل المزارع بفول الصويا لهذا الموسم , ثم فى الموسم الذى يليه ستزرع بالفول البلدى , تبادلا بين المحصولين عاما بعد عام , لأن خبراء الزراعة ينصحون بعدم زراعة أى صنف فول فى أرض واحدة لموسمين متتاليين .
مكافحة الهالوك : ستتم يدويا من خلال عمال الرى الثابتين , الذين من خلال مرورهم على النقاطات والوصلات . سيصطحب كل منهم سكينا أو شرشرة يقطع بها أى نبات هالوك ظاهر أمامه , ويراعى أن يتم الانتهاء من مكافحة الهالوك قبل بدء تزهيره .
التصرف فى المحصول : بالنسبة للفول البلدى أو الرومى : فإنه سيقل سعره تماما , ولن يتحمل مستهلكه إلا أسعار النقل من المزارع الصحراوية إلى المدن مع هامش ربح بسيط للشركات ولوزارة الزراعة كليهما , أى سيكون سعر كيلو الفول البلدى فى حدود 25 قرشا تقريبا , مما يساهم فى إطعام الأفواه الجائعة من المعدمين الذين لا يجدون قوت يومهم , ويراعى أن يتم إكمال القيمة الغذائية لهؤلاء المعدمين من خلال توفير أى نوع من الجبن بأسعار مناسبة فى الأسواق مع الفول , لتعويض الأحماض الأمينية التى لا تتواجد فى الفول بشرط ألا يتم تناول الفول مع أى مصدر بروتينى آخر فى نفس الوقت لأن بروتين الفول يمنع هضم أى بروتين آخر متواجد معه , أما بالنسبة لخلطات الأعلاف , فستنتج كميات مهولة من تبن الفول , ومن حباته , حيث ستساهم إلى حد كبير فى التوقف عن استيراد أعلاف من الخارج أولا , وثانيا ستساهم فى خفض أسعار الأعلاف  مما ينتج عنه انخفاض أسعار اللحوم بجميع أنواعها .

بالنسبة لفول الصويا : سيكون التركيز عليه أكبر , حيث أن نسبة البروتين المهضوم به حوالى 45% , كما أنه يعتبر من محاصيل الزيت , ولهذا سيوجه جزء من المحصول إلى معاصر الزيت لاستخلاص الزيت منه مما يقلل من كميات الزيت المستوردة من الخارج مما يخفض من أسعارها , إضافة إلى ذلك سيوجه جزء آخر من المحصول إلى مصانع الصناعات الغذائية , لإنتاج ألبان فول الصويا , ولحوم فول الصويا . 

الخميس، 12 يناير 2017

مصر كأقوى رابع اقتصاد فى العالم

                                         بسم الله الرحمن الرحيم
كان هذا عنوان محاضرة شهدتها فى ساقية الصاوى فى أول زيارة لى إلى الساقية والتى أحسبها تأخرت كثيرا , وربما تكون النظرة الاقتصادية التى تنظر إلى الاقتصاد المصرى بوصفه مرشحا ان يكون يوما ما أقوى رابع اقتصاد فى العالم هى نظرة متفائلة أكثر من اللازم , إذ كيف لدولة تصل نسبة من هم تحت خط الفقر من سكانها أو قريب من هذا الخط إلى حوالى نصف عدد السكان أن يصبح اقتصادها رابع أقوى اقتصاد فى العالم ؟
لكننى بعد استماعى للمحاضرة قد زادت -ولا شك- ثقتى فى الاقتصاد المصرى الذى لم يقل المحاضر أنه سيكون رابع أقوى اقتصاد فى العالم خلال السنوات القادمة , وإنما كان صريحا مع نفسه ومع مستمعيه وقال أن هذا يمكن ان يتحقق فى مدى زمنى نهايته عام 2050, وهنا يظهر العيب الثانى لتلك النظرة , فهى قد وضح أن تفاؤلها فى محله وليس أكثر من اللازم , لكن الناس تريد تغييرات سريعة وملموسة , فحتى ياتى عام 2050 سيكون هناك أناس عاشت وأناس ماتت كما يقول المثل الدارج , وسيرا على سياق الأفكار الجريئة للمحاضرة أقدم فى هذه السطور خارطة طريق وخططا -التخطيط هو مملكتى الأولى- لكى يكون الاقتصاد المصرى حقيقة وفعلا من أقوى عشرة اقتصادات فى العالم , ليس عام 2050 , ولكن خلال السنوات الخمس القادمة , أى انه يمكن بحلول عام 2017 أن يكون الاقتصاد المصرى أقوى عاشر اقتصاد فى العالم .
بادئ ذى بدء أقرر أن بساطة تخطيط وتنفيذ الأعمال الكبرى يكون دائما سرا من أسرار نجاحها , فبعيدا عن التعقيدات العلمية الاقتصادية أحب أن أخطط للاقتصاد المصرى مثلما أخطط لميزانيتى الشخصية أو لميزانية بيتى فحسب , هناك رواية بلغتنى منذ ثلاثة أعوام أن من يوشك أن يعمل مديرا لإحدى المزارع الكبيرة بإحدى الشركات الزراعية الكبرى -دالتكس وهذا ليس إعلانا- , وفى أول لقاء له مع رئيس مجلس إدارة الشركة قال له انه سيتعامل مع المزرعة ككل مثلما يتعامل مع حافظة نقوده , أى ان من يريد أن يأخذ منها جنيها واحدا سيقول له : لماذا؟
وهذه هى النظرة التى أنظر بها لاقتصاد الدولة ككل من خلال أربع محاور رئيسية يجب وينبغى ويلزم أن نبدأ فى العمل بها ووفق هداها , حتى يكون الاقتصاد المصرى واحدا من أقوى عشرة اقتصادات فى العالم بعد خمس سنوات فقط لا غير .
المحور الأول : هو محور الواردات , فينبغى العمل على تقريب رقمها الإجمالى السنوى من صفر , والوصول برقم واردات دولة ما إلى صفر يكاد يكون مستحيلا , لكن الوصول إلى أقرب نقطة ممكنة من هذا الرقم ممكن ومتاح حتى وإن بدا صعبا , وإنجاز عمل كهذا يبدأ بحصر كل ما تستورده مصر من سلع , سواء عن طريق الحكومة أو القطاع الخاص , ثم البدء فورا بمنع استيراد أية سلعة لها نظير موجود فى مصر بل وتجريم ذلك , وبالنسبة للسلع التى ليس لها نظير موجود فى مصر يتم فتح الباب سريعا لإنتاج هذا النظير على الأراضى المصرية , ولا فرق بين أن تكون الشركة المنتجة مملوكة لمصريين أو انها استثمار أجنبى , المهم أن الشركة موجودة فى مصر تعمل وفق القوانين المصرية وأغلب العاملين بها مصريون , فمثلا شركات السيارات العاملة هنا فى مصر عليها أن تهيئ نفيها سريعا لقرار سيصدر بمنع استيراد السيارات نهائيا من الخارج , وكل شركة تريد أن توجد لنفسها سوقا فى مصر فعليها أن تنشئ مصنعا للتجميع على الأراضى المصرية , أما استيراد سيارات كاملة من الخارج فلا , وهو اتجاه قطعت الشركات الألمانية فيه شوطا منذ سنوات , فشركة مرسيدس بدأت فى إنتاج سيارتها المعروفة باسم "عيون" من مصنعها بالعبور فى نفس توقيت بدء إنتاج نفس السيارة فى ألمانيا , وشركة BMW افتتحت منذ سنوات خطا لإنتاج إحدى سياراتها الفاخرة التى تنافس سيارات المرسيدس الفاخرة , وذلك فى مصنعها بمدينة 6 أكتوبر ثقة من الشركة فى السوق المصرى وفى الأيدى العاملة المصرية التى يمكنها إنتاج منتج فاخر كهذا , وما يقال عن السيارات يقال عن أية سلعة كبر شأنها أو صغر , فمنذ سنوات قرأت كلاما منسوبا لأحد كبار المسئولين بهيئة السكة الحديد , يقول أن عمرة الجرار تستلزم استيراد حوالى عشرة ألاف قطعة -على ما أذكر- , وكلامه هذا يعتبر سبة فى جبين الصناعات المعدنية لدينا هنا فى مصر , أو كأنه ليس لدينا حتى ورش للخراطة حتى نستورد من الخارج القطع اللازمة لعمرة القطارات!
إذن المحور الأول وهو محور الواردات يستلزم العمل بسرعة وقوة وجدية على تقليل رقم الواردت من الخارج إلى أقل ما يمكن فهذا أول ما سيقيم الاقتصاد المصرى على قدميه من جديد , حيث ستنشأ صناعات كثيرة لسلع كنا نستوردها من الخارج ستساهم فى تشغيل أيدى عاملة لا حصر لها , وفى نفس الوقت سنحافظ على عملتنا الصعبة التى ننثرها على الأرض فى استيراد ألبان ومكرونة من الخارج! كل ما يمكننا إنتاجه فى مصر بأية طريقة يمنع تماما استيراده , وفى المقابل يتم تسهيل إنتاجه فى مصر , مثل الشاى الذى نستورده من كينيا وغيرها , كانت هناك تجربة رائدة منذ حوالى عشرين عاما لإنتاجه فى مصر تحت الصوب عن طريق شركات الأستاذ طاهر القويرى الذى لا أعلم أين هو الآن , والتفاح الأمريكى الفاخر لدينا فى مصر إنتاج للتفاح يقل بقليل عن درجة هذا التفاح الأمريكى مما يعطى وجاهة لعدم استيراده , فإذا سرنا فى هذا الاتجاه بتوسع , فساعتها لن نكون بحاجة إلى تنظيم حملات لشراء المنتج المصرى , بل العكس هو الصحيح وانه ساعتها لكثرة إقبال المصريين على شراء المنتج المصرى , ستنظم سفارات الدول الأخرى معارض وفعاليات لدعوتنا لشراء منتجات بلادها وساعتها يمكن أن نشاور عقلنا فى هل نشترى أم لا .
المحور الثانى : هو محور الصادرات , ينبغى أن يكون شعارنا القومى فى المرحلة القادمة هو نفس الشعار الذى رفعته شركة Power الأمريكية العاملة فى مجال التكييفات هنا فى مصر منذ سنوات وهو "سكوت ..حانصدر!" , مع الاعتذار للنحو والصرف , فبالرغم من أن الشركة فى الأساس أمريكية , إلا أن غالبية من يعملون بها بل ويديرونها مصريون , ووصل الأمر بهم إلى تصدير منتجاتهم من التكييفات المصنوعة فى مصر إلى دول الخليج العربى , وهو نجاح يحسب لهم انهم استطاعوا أن يقنعوا المستهلك الخليجى بأن منتجهم المكتوب عليه : صنع فى مصر , أفضل من المنتج الآتى لهم من أمريكا أو اوروبا أو حتى اليابان بجلالة قدرها !  التصدير ينبغى أن يكون هو قانون المجتمع المصرى فى المرحلة القادمة , لا يهم ماذا نصدر ولا يهم إلى من نصدر -باستثناء إسرائيل طبعا- , المهم أن نصل برقم صادراتنا إلى أكبر ما يمكن , وهذا ما يحتاج إلى شئ من التفصيل فى السطور التالية :
منذ بضعة عشر عاما قرأت مقالا لأحد كتاب المقالات فى أخبار السبت -أخبار اليوم ولا أذكر من هو تحديدا- يقول فيه أن صديق له من إسرائيل جاء لزيارته فى بيته المطل على النيل , حيث يبدو أنه لأول مرة يرى النيل فى حياته , فقال : هل هذا هو النيل ؟ فأجابه أن نعم , فقال الرجل الإسرائيلى : إننا لو أن لدينا هذا النيل فى إسرائيل لأغرقنا أسواق العالم بإنتاجنا الزراعى , وهذا ما ينبغى أن نركز عليه فى الفترة القادمة , أننا بلد زراعى بالأساس , وأن صادراتنا الزراعية تحتل رقما متقدما فى قائمة صادراتنا إلى الخارج , وهو ما يفرض علينا أن نزيد دائما حجم تلك الصادرات بتشجيع الشركات الزراعية المصرية على زيادة صادراتها دائما , وعلى توسيع حجم استثماراتها دون عوائق , ووفق ضوابط  لضمان الاستمرار فى الجدية , والصادرات الزراعية ليس شرطا أن تكون منتجات طازجة , بل إن التصنيع الزراعى قد فتح له مجالات كثيرة فى الخامات الزراعية , وهذا معناه أن الاهتمام بصادرات الرافد الزراعى سيصاحبه زيادة فى صادرات الصناعات القائمة عليها , ففى مدينة الصالحية الجديدة يوجد مصنع لتعبئة الفاكهة يصدر إنتاجه للكثير من دول أوروبا التى تتهافت على ذلك الإنتاج , ولا يضعون شروطا وعوائق عليه مثلما حدث إبان مشكلة بذور الحلبة المصرية منذ شهور .
وينبغى كذلك أن نتعلم من الطريقة التى غزت بها الصين أسواقنا , فقد درسوا الأسواق الخارجية جيدا , وعرفوا ما الذى تحتاجه تلك الأسواق , وذلك من واقع العادات المتبة فى تلك البلاد مثل فوانيس رمضان فصدروا لنا الفوانيس , ومثل سجادات الصلاة فصدروا لنا السجاجيد والمسابح فصدروها لنا كذلك بالرغم من انهم شيوعيون! لكنهم درسوا الأسواق الخارجية جيدا وعرفوا احتياجاتها , وهو ما ينبغى علينا فعله بحيث ألا نضيع الكثير من الوقت فى تلك الدراسات , ولنبدأ من الإنتاج الزراعى أو الزراعى الصناعى , فمثلا الأوروبيون يحتاجون بشدة للمنتجات الزراعية التى ترفع المناعة ضد أمراض الشتاء مثل الموالح والجوافة , إذن فلنكثر من صادراتنا لهم من تلك المنتجات , وفى موسم عيد الميلاد يحتاجون لمليارات من زهور القطف الطازجة , إذن فعلينا قبل كل كريسماس أن  نجهز إنتاجنا الغزير من زهور القطف التى يحتاجونها , والإنجليز يقبلون على أكل البطاطس الصغيرة -البيبى- فى الشتاء إذن فلنكثر من زراعتها ولنكثر من تصديرها للإنجليز , والإخوة الكويتيون يقبلون بغزارة على استعمال الزعفران , حتى أنه منذ بضعة عشر عاما كتبت إحدى مجلاتهم أن نصف إنتاج العالم من الزعفران تستورده الكويت وحدها , إذن فلنكثر من إنتاج الزعفران ولنصدره إليهم , وليكن إنتاجنا المصدر لهم ذا ميزة نسبية فيما يخص الأسعار وهكذا , أن نفهم جيدا احتياجات الأسواق الخارجية وأن نعمل على إنتاج تلك الاحتياجات هنا فى مصر ونصدرها إليهم كما فعلت الصين , وما يقال عن الإنتاج الزراعى يقال عن أى مجال آخر يصدر إنتاجه للخارج .
الشئ الآخر الذى يخص التصدير هو أسعار التصدير وهذا بند مهم للغاية , وربما يسبقنى قارئى الكريم إلى فهم ما سأقوله قبل أن أقوله وهو أسعار الغاز الذى نصدره بتراب الفلوس , إن كل سلعة فى الدنيا لها سعر عادل يحقق مصلحة المنتج والمستهلك , فمادامت الدول المستوردة -وهى ليست إسرائيل أو الأردن فقط وإنما يبلغ عددها عشرة دول- تستفيد من الغاز المصرى إذن فإما أن تدفع فيه السعر العادل طبقا للأسعار العالمية وإما أن يشتروا من مصدر آخر , أما أن يفرضوا علينا أسعارهم فهذه هى البجاحة منهم وهو السفه منا! والواجب علينا أن نقطع تصدير الغاز فورا حتى يتم الاتفاق بشأن أسعاره , ثم تتم ملاحقة الدول المستوردة للغاز قانونيا فى المنظمات الدولية من أجل تحصيل فروق الأسعار التى اشتروا بها الغاز فى السنوات الماضية , وهناك مثال آخر يخص أسعار التصدير , ففى فترة وجودى فى شركة الجبالى فروت قال أحد قدامى المهندسين بها أن التصدير العربى -أى للدول العربية- ليس ذا فائدة اقتصادية كبيرة للشركة , وإنما هى مجرد أرقام فقط تضاف لأرقام صادرات الشركة , وهذا لأن فروق الأسعار بين الجنيه المصرى وبين العملات العربية ليست مثل الفروق بين الجنيه المصرى واليورو , وكلامه هذا كان يستتبع وقفة من الشركة ونظيرتها من الشركات مع سياسة التسعير للدول العربية , فمادام سعر صرف الجنيه المصرى بالنسبة للدول العربية يتسبب فى انخفاض أرباح الصادرات إليها , إذن فليتم رفع سعر تلك المنتجات حتى تحقق ربحا جيدا , وليكن المبدأ الذى يحكم أسعار الصادرات هو أن من يشترى سلعة ما فعليه أن يدفع الثمن العادل لها وإما أن يحصل عليها من مصدر آخر , أما نحن فلن نبيع منتجاتنا إلا بسعرها العادل .
المحور الثالث : هذا المحور يترفرع إلى ثلاثة روافد هى : 1- زيادة أرباح المؤسسات أو الأنشطة التى تدر ربحا لا يتناسب مع وضعها الاقتصادى .
2- تغيير سياسة المؤسسات أو الأنشطة التى لا تدر بحا لكى تدر أرباحا جيدة مادية وعينية.
3- القضاء على الفساد بشتى أشكاله وصوره .
فبالنسبة للرافد الأول , تندرج تحته الكثير من المؤسسات والأنشطة الاقتصادية , فمثلا قناة السويس نديرها مثل ترعة تعبرها السفن وتقطع تذاكر نظير ذلك وهو وضع كلما تخيلته ترتسم ابتسامة ساخرة على وجهى , فإن قناة السويس وحدها كافية لرخاء ورفاهية الشعب المصرى , ولا ننس أن مشروع منطقة ميناء جبل على الموجود على أرض الإمارات كان مخططا له فى البداية أن يكون بالقرب من مدينة السويس , وجاء المستثمرون المؤسسون للمشروع وقتها ليأخذوا التراخيص من الحكومة المصرية وليبدأوا فى العمل , لكن الحكومة المصرية وقتها هى التى قمت بالتضييق عليهم حتى تركوا المشروع وذهبوا لمكان آخر أكثر جذبا للاستثمارات وأكثر احتراما للمستثمرين , وعلى كل فقناة السويس ليست مجرد ترعة لعبور السفن , وإنما هى منطقة منطقة لتقديم جميع الخدمات التى تحتاجها السفن , وهذا هو الوضع الذى ينبغى العمل فيه من الآن , بحيث ندعو المستثمرين فى مجال تقديم خدمات السفن من كل أنحاء العالم ان ياتوا إلى قناة السويس لينشئوا شركاتهم , بحرية ودون عوائق إلا من الضوابط القانونية المنظمة لعمل تلك الشركات , والتى ينبغى أن تكون متشابهة مع نظيرتها فى كل دول العالم , وما يقال عن قناة السويس يقال أيضا عن السياحة التى يُنظر إليها على أنها فقط نشاط اقتصادى يستهدف خلق فرص عمل دون أن يكون له مردود جيد على خزانة الدولة , فيكفى أن نعلم أن ال12 مليار دولار التى تدرها السياحة سنويا وهى فى حالة الرواج , هى أقل مما يدره محصول البرتقال المصدر للخارج سنويا , ولذلك وجب أن يتم تطوير منظومة العمل السياحى بحيث ترتفع عائداته ارتفاعا رأسيا أى بنفس عدد السياح القادمين حتى وأن لم يزد عددهم كثيرا , وذلك بدراسة بيئاتهم جيدا وتوفير السلع التى كانوا يودون رؤيتها هنا فى مصر مثل الكلات الشائعة فى بلادهم وغيرها , وتصميم برامج الرحلات السياحية جيدا وبدقة بحيث يتم إقناع السائح بإنفاق أكبر قدر ممكن من المال أثناء وجوده هنا فى مصر .
وأما الرافد الثانى : فهناك أنشطة لا تأتى بأية عائدات على خزانة الدولة بالرغم من أن نفس تلك النشطة تدر الكثير على خزائن الدول الأخرى , والمثال الأوضح لذلك هو النشاط الرياضى الذى يستنزف أموالا ولا يدر أموالا , وهذا عكس ما يحدث فى الخارج , حيث أن تنظيم الدول الأوروبية للبطولات تنتج عنه عائدات مالية كبيرة اصالح تلك الدول نتيجة حسن التنظيم , وتنتج عنه كذلك دعاية سياحية كبرى لتلك الدول , وهذا ما نبه عليه الكابتن شوبير منذ أيام , حيث تكلم عن أن الرياضة كان ينبغى أن تكون خادمة للسياحة فى هذه اللحظات الحرجة التى تمر بها , ففى ظل الظروف الراهنة كان يجب إقامة أية بطولة ودية تحت سفح الهرم مثل بطولات الاسكواش التى كانت تتم تحت سفح الهرم , وهو ما نتجت عنه دعاية سياحية كبيرة لمصر دون أن ندفع فيها شيئا , وما قاله الكابين شوبير ينبغى أن يكون سياسة عامة وليس حدثا عارضا , أى أن كل اتحاد من الاتحادات الرياضية ينبغى أن يكون فى جدول أعماله لكل سنة تنتظيم بطولة ودية واحدة على الأقل تحت سفح الهرم , حيث تكون كل الصور المنشورة فى الصحف العالمية خلفيتها هى الهرامات التى يعشقها السائحون فى كل العالم , فتنظيم بطولة لكرة السلة تحت سفح الهرم ستتبعه زيادة فى السائحين الأمريكيين , وإقامة بطولة لكرة اليد ستتبعه زيادة لأعداد السائحين السويديين وهكذا , وبذا تكون الرياضة خادمة للأنشطة الاقتصادية الأخرى , وذات مردود مادى على خزانة الدولة.
وما يسير فى نفس الاتجاه هى السياحة العلاجية التى يمكن أن تكون المؤسسات العلاجية فى مصر مصدرا من مصادر الدخل القومى عن طريق التخصص فى أحد التخصصات النادرة , ومن ثم ياتى طالبوا العلاج فى هذا التخصص إلى مصر من كل العالم , ولهذا مثالان أحدهما من الداخل والآخر من الخارج : فاما الذى من الداخل فهو يتعلق بمدينة الزقازيق , التى بعد انتشار مركز الأشعة المتقدمة بها منذ سنوات قد أصبحت من علامات السياحة العلاجية فى مصر , وأاما المثال الذى من الخارج فهو يتعلق بالمملكة العربية السعودية , حيث بعد نجاح عدد من عمليات فصل التوائم الملتصقة هناك فى السنوات الماضية , قد أصبحت المستشفيات السعودية قبلة لكل التوائم الملتصقة فى كل العالم لإجراء تلك الجراحات هناك .
الرافد الثالث : وهو القضاء على الفساد بكل صوره , وهذه قضية مجتمع قبل أن تكون قضية الأجهزة الرقابية وحدها , فمن يقرأ فى نهاية كتاب "وبدأ العد التنازلى" للدكتور /مصطفى محمود -رحمه الله- يجد انه فى الوصايا العشر التى كتبها للرئيس السابق أن أكثر ما يهدد مصر هو الفساد المالى والإدارى , وهذا ربما يوضح أن عدم استماع الرئيس السابق لتلك النصيحة بالذات هو الذى أدى به إلى ما نعرفه , وهو الذى أدى باقتصاد مصر إلى ما نعرفه أيضا وما خفى فيه كان أعظم!  الفساد هو الذى يأكل كل ثمار التنمية بحق , وهذا ما قاله المحاضر صراحة فى المحاضرة التى اشرت إليها , حيث قال : إن ثمار التنمية لا تأكلها الزيادة السكانية وإنما يأكلها الحرامية!
المحور الرابع والأخير : هو الشخصية القيادية الكاريزمية : فكل الدول التى حققت طفرات اقتصادية فى كل العالم كانت تحظى بالمواكبة مع ذلك بشخصيات قيادية , تلك الشخصيات كانت لديها القدرة على اتخاذ القرارات المصيرية الجريئة التى تمس حياة الملايين أو عشرات الملايين من شعوبهم , وكانت لديهم القدرة كذلك على ضرب مافيات الفساد فى بلادهم -ليست مافيا واحدة- , ولديهم القدرة على ضرب أصحاب المصالح أو الحيتان الكبار أو من كان يسميهم المرحوم الأستاذ جلال الحمامصى : القطط السمان!
إن النهضة الاقتصادية لابد لها من قائد يستطيع أن يجرى جراحات خطيرة فى جسم الاقتصاد الوطنى بمهارة بحيث ينهض اقتصاد بلاده , ويحقق طفرات كبيرة , وفى نفس الوقت مع أقل قدر ممكن من الخسائر المتمثلة فى نسبة بسيطة من المضارين من قراراته , والذين سرعان ما ستعود الفوائد العامة للنهضة الاقتصادية عليهم هم أيضا.
هذه هى روشتتى وخططى لكى يكون الاقتصاد المصرى واحدا من أقوى عشرة اقتصادات فى العالم بإذن الله , أهديها إلى ساقية الصاوى كيانا وعاملين وكل شئ يتعلق بها , وأهديها إلى المحاضر الذى ألقى المحاضرة التى أشرت إليها , والذى وجده مستمعوه حافظا لكتاب الله شديد الانتماء لبلده وعروبته , وكل هذا بالرغم من فترات إقامته فى دول الغرب مثل أمريكا وكندا , وكذلك أهديها للشباب الناشئ الذى رأيته فى الساقية , فمنهم طفل فى الرابعة عشرة من عمره ألقى شعرا قام فيه بتعرية مجتمع بأكمله , ومنهم شاب يكبره بحوالى عامين كان الأدب يفوح من كلامه مع من هو أكبر منه , حيث أننا أمام جيل جديد لم يتلوث وجدانه , ولم تتلوث أخلاقياته بالركوع والسجود لأعداء وطنه من الداخل أو الخارج , فعلى أكتاف هؤلاء ستصبح مصر دولة عظمى بحق , أما الأجيال الحالية فأشك فى قدرتهم على عمل شئ ذى بال .


الجمعة، 12 فبراير 2016

السكة الحديد .. رؤية للتطوير والتحديث .

                                                   بسم الله الرحمن الرحيم
مختلفة كثيرا عن باقى مؤسسات الدولة خاصة الخدمية منها , هذا على الرغم من أنه يفترض أن كل مؤسسات الدولة هى خدمية بشكل ما حتى ما توصف منها بانها سيادية , فإنها بالرغم من الترهل الإدارى الذى لحق بها شأنها شأن كل مؤسسات الدولة تقريبا , لكنها مازالت ترمز إلى التزام الدولة نحو مواطنيها بأحد الحقوق الأساسية للإنسان وهو حق الانتقال من مكان إلى مكان , وكانت دائما وأبدا وستظل ملكا للشعب المصرى , حيث لا يمكن أن يجنح بها القائمون عليها فى اتجاه ضد مصلحة مستخدميها من أبناء الشعب المصرى , وهو ما يدل عليه إسمها :"سكك حديد مصر" .
ولا توجد مؤسسة خدمية فى مصر كلها تضم حساباتها الختامية بندا خاصا "للتزويغ" من دفع ثمن الخدمة سوى السكة الحديد , التى يبدى رجالها قدرا كبيرا من التسامح مع الناس الذين لا يدفعون أجرة السفر , ولدى المحصلين حاسة سادسة قوية جدا يمكنها فرز من معه قيمة الأجرة ويريد التزويغ , ومن نفدت نقوده بالفعل , فمن اقتنع منهم بأن الراكب قد نفدت نقوده فإنه لا يتخذ معه أى إجراء , أما من معه نقود فالمحصلون إزاءه بالخيار , فيمكنهم أن يغضوا الطرف عنه , ويمكنهم أن يجبروه على دفع الأجرة , وقد حضرت مئات من المواقف الخاصة بالحالتين , لكن عندما يتم إجبار الراكب على دفع الأجرة , كثيرا ما يتدخل رجال المحطات إما بإقناع المحصل بغض الطرف , وإما بإخراج قيمة الأجرة من جيوبهم الخاصة , وهذا الموقف الأخير قد حدث فى محطة منية القمح تحديدا منذ بضعة عشر عاما .
ومختلفة فى مدى أهميتها الاستراتيجية المستقبلية , حيث لا يمكن أن تكون ثمة خطط استراتيجية تغفل دور السكة الحديد فيها , فلو فرضنا أن مشروع ممر التنمية الذى أبدعه الدكتور فاروق إلباز قد تم تطبيقه , أو مشروع منخفض القطارة الذى أبدعه الدكتور / خالد عبدالقادر عودة , أو أى مشروع يهدف إلى إقامة مجتمعات عمرانية مليونية خارج الوادى والدلتا , فلابد أن للسكة الحديد دور هام فى أى مشروع من هذا النوع , حيث لا يمكن إقناع ملايين الناس بترك مواطنهم الأصلية فى كل محافظات الجمهورية , والانتقال إلى اماكن نائية تبعد مئات الكيلومترات عن تلك المواطن الأصلية , إلا بوجود منظومة نقل سريعة وآمنة ومنتظمة وأسعارها فى متناول يد كل الناس تقريبا , حيث إذا شاء أى منهم أن يسافر إلى موطنه الأصلى للزيارة أو لقضاء إجازة , أو لأى سبب  , فلابد أن توجد وسيلة نقل تنقله بسرعة إلى موطنه الأصلى , ولا توجد وسيلة نقل فى مصر تجتمع فيها كل تلك الميزات إلا السكة الحديد , والسكة الحديد فقط  , ومنذ سنوات نشرت إحدى الصحف تحقيقا -أظنها أخبار اليوم على ما أذكر- عن قطار فائق السرعة , يمكنه قطع المسافة من القاهرة إلى الإسكندرية أو العكس فى عشرين دقيقة فقط , وبه أماكن لحمل سيارات الركاب لمن كان معه سيارة منهم , لكى يصطحب سيارته معه إذا أراد , وقيل وقتها أنه بالإمكان تطبيق هذا المشروع فى مصر لو حظى بشيئ من الاهتمام .
فلو تم بالفعل استقدام قطار كهذا إلى مصر بأية طريقة , سواء بنظام ال B.O.T , أو بنظام الاكتتاب العام أو باى نظام , فستكون تلك الخطوة من أهم عوامل نجاح أى مشروع لنقل ملايين المصريين من الوادى والدلتا المتكدسين , إلى الصحراء الواسعة الشاسعة , التى ستتحول بعد ذلك إلى مدن سكنية , ومناطق زراعية وصناعية .
بل وتتعدى الأهمية الاستراتيجية للسكة الحديد ذلك إلى ما هو أهم , حيث قد كثر الكلام بعد الثورة عن العمل على إحياء فكرة المثلث الذهبى :"مصر - ليبيا - السودان" , ولو أصبح الحلم حقيقة فلابد ان يكون من أهم عوامل ربط أجزاء هذا المثلث شبكة سكك حديدية تتحرك قطاراتها فى البلدان الثلاثة , ناقلة الركاب والبضائع التى تعجز عن حملها وسائل المواصلات الأخرى , بل حدود مصر الجنوبية التى كانت تصل إلى أواسط أفريقيا حتى ستين عام مضت عندما كانت السودان ضمن الحدود المصرية , تلك الحدود يمكن استعادتها جزئيا عن  طريق إنشاء خط حديدى يصل ما بين محطة السد العالى فى مصر , وأقرب محطة فى شمال السودان , مع تسهيلات فى دخول أبناء كل بلد إلى البلد الاخر .
ومختلفة فى مدى التفاعل بين وحداتها المتحركة وبين الراكب , ففى وسائل المواصلات الأخرى يجلس الراكب على كرسيه منذ بدء الرحلة حتى نهايتها , ولا شيئ غير ذلك , أما فى القطارات , فالراكب يجلس على كرسيه , فإن وجد المقعد المقابل له خاليا , فإنه يمدد رجليه عليه , والمحصلون لا يتكلمون معه فى شيئ من هذا إلا إذا كان مرتديا للحذاء , وإن وجد الراكب أن الحوامل المخصصة للحقائب خالية فإنه يصعد للجلوس عليها او حتى للنوم عليها ولا بأس , وبذلك تتحول عربة القطار العادية إلى عربة قطار نوم !! وفى التصميمات القديمة لعربات الدرجة الثالثة والتى كانت تعمل حتى سنوات قليلة مضت ؛ كانت هناك مقاعد تتسع لثلاثة أفراد يجلسون عليها متجاورين , وكان عدد تلك المقاعد عشرين مقعدا ثلاثيا فى العربة الواحدة , فكانت تلك العربات بفضل تلك المقاعد الطويلة عربات نوم بكل ما تحمله الكلمة من معان , وللأسف فإنه فى ظل حمى التطوير التى ملأ المسؤولون بها الدنيا ضجيجا, تم إلغاء تلك العربات نهائيا , حيث -وللمرة الثانية : للأسف- إن الكثير من المسؤولين لا يعرفون جيدا ما الذى يريده الناس ويتمنونه .
وإن وجد الراكب أن الحمامات نظيفة وخالية فإنه يجلس فيها ويجعلها مقصورته الخاصة!! , وإذا أحس بالملل فلا باس من التمشى داخل القطار , وكل عدة دقائق يمر عليه أحد البائعين المتجولين الذين كثيرا ما يبيعون أشياء جذابة ورخيصة الثمن , فإن لم يشتر منه فالفرجة مجانا .
وربما يفسر هذا الإقبال الكبير على ركوب القطارات , وهو أن الراكب يجد الكثير من الخيارات المتاحة امامه فى القطار , بعكس وسائل المواصلات الأخرى , حيث أن القطار بخلاف كونه وسيلة مواصلات , إلا أنه مجتمع كبير فيه حياة مشتملة على الكثير من التعقيدات والتفاعلات , هو مدينة متحركة بها ألوف البشر , حتى أنه نادرا ما نجد تجمعا من كل البيئات , وكل الثقافات , وكل المحافظات المصرية إلا فى احد قطارات السكة الحديد , حيث نجد الشامى بجوار المغربى , وبهذا يكون للسكة الحديد دور هام فى لم شمل فسيفساء الجسد المصرى .
ومختلفة فى مدى الراحة التى يجدها الراكب فى وحداتها المتحركة أو حتى فى محطاتها , فبالنسبة للمحطات توجد دائما مقاعد كثيرة تكفى قطاعا كبيرا من الركاب المنتظرين للقطارات , وفى كل المحطات تقريبا يوجد مسجد يسمى باسم :"مسجد السكة الحديد" , فمن أراد الصلاة فيه فلا بأس , ومن أراد النوم فيه فلا ضير , ومن أراد الجلوس فيه فلا مشاكل , ومن أراد أن يغسل وجهه لكى تنعشه المياه فكل شيئ فى متناول يده .
ومنذ كنت طفلا صغيرا وانا أشعر بالفارق الكبير فى مدى الراحة التى أجدها فى القطارات عن الوسائل الأخرى بشرط أن اكون جالسا لا واقفا , فمن المعروف طبيا أن الأطفال يشعرون بالغثيان أثناء ركوب الأتوبيسات مما يؤدى إلى إفراغهم لكل محتويات معداتهم , وذلك بسبب الرائحة المهيجة للمعدة والتى عندما كبرت عرفت أنها رائحة زيت التروس , وأيضا بسبب الاهتزازات التى يحدثها المحرك فى الأتوبيس كله مما يؤدى إلى الإصابة بالدوار , لكن فى القطار لا يوجد شيئ من هذا , وكان ابى -رحمه الله- يصطحبنى فى رحلات بالقطار تستمر لساعات دون أن اعانى مما اعانى منه فى وسائل المواصلات الأخرى .
ومختلفة كذلك فى مدى إحساس رجالها بالمسئولية تجاه الناس , وهو ما يظهر من خلال ندرة الإضرابات أو الاعتصامات التى يقوم بها رجال السكة الحديد قياسا على كثرة الإضرابات والاعتصامات لدى المؤسسات الأخرى ,
فمنذ حوالى ثلاث سنوات قام رجال محطتى طنطا والزقازيق بعمل إضراب متزامن , لكن بالرغم من الإضراب كانت هناك قطارات تسير بين المدينتين , حيث لا ذنب للناس ولا ناقة لهم ولا جمل فى أسباب عمل الإضراب , والطريف أن قطار طنطا - الزقازيق الذى غالبا ما ياتى إلى ميت غمر متأخرا لمدد تصل إلى نصف ساعة , قد جاء فى يوم الإضراب متأخرا لعشر دقائق فقط !
ومنذ عدة سنوات قام سائقوا القطارات بمحطة القاهرة بعمل إضراب لا بسبب مستحقات مالية أو ما شابه , ولكن لأن الجرارات التى يقودونها غير صالحة للسير والعمل , ويتم إجبارهم من قبل قيادات الهيئة على قيادتها وهى بتلك الحالة , وهى حالة نادرة أن يتم عمل إضراب لأسباب مهنية وليست مالية .
حتى عندما قام رجال الفرز بعمل إضراب منذ شهور لم يستمر الإضراب إلا لمدة قصيرة جدا , مقارنة بالإضرابات الطويلة غير المسئولة التى قام بها رجال هيئة النقل العام , ورجال شركة أوتوبيس شرق الدلتا , حيث طالت مدد الإضرابات , بل والأدهى قد استولوا على الأوتوبيسات وكأنها ملك خاص بهم! ولولا أن قطارات الضواحى التى تجوب ضواحى القاهرة الكبرى ومعها قطارات مترو الأنفاق كانت تعمل فى اثناء إضراب هيئة النقل العام ,لأصيبت الحياة فى ثلاث محافظات منها العاصمة بالشلل التام .
ومن مظاهر شعور رجال السكة الحديد بالمسؤولية تجاه الناس أيضا ما نراه من سلوك السائقين الذين دائما ما يتوقفون بالقطارات بعد بدء تحركها من المحطات إذا ما رأوا ركابا قادمين يجرون باتجاه القطار , لكى يتمكن هؤلاء الركاب من اللحاق بالقطار , ونفس الشيئ يفعله رجال المحطات الذين إذا ما رأوا نفس المشهد فإنهم يسارعون إلى إخراج صفاراتهم من جيوبهم , والتصفير بشكل متفق عليه يفهم منه السائق أن عليه أن يتوقف .
وليس هذا فقط , بل عندما تكون الأجواء غائمة , يكثر السائقون من استعمال آلة التنبيه كل عدة ثوان لتنبيه الناس القريبين من القضبان أو السائرين عليها أن هناك قطارا قادما .
هذه هى السكة الحديد , التى ربما يختلف الناس فى أشياء كثيرة , لكنهم لا يمكنهم أن يختلفوا على أن تلك المؤسسة هى قيمة كبرى فى حياة الشعب المصرى منذ بدء عملها فى مصر منذ قرن ونصف القرن, واضعة مصر كثانى أقدم دولة فى العالم كله استخداما للسكة الحديد على أراضيها بعد انجلترا التى اخترعت السكة الحديد , و سواء بالنسبة لمستخدميها وما أكثر ملايينهم , أو حتى بالنسبة لمن يمتلكون سيارات خاصة , تغنيهم عن السفر بالقطارات , وسواء مرت رحلاتهم بسلام , أم تعرضوا فيها للمقالب المعهودة من السكة الحديد , مثل تأخر المواعيد , أو تعطل أجهزة التكييف فى قيظ الصيف , أو وجود عربات مهشمة النوافذ تماما فى زمهرير الشتاء , أو حتى حدوث الحوادث التى تحدث من حين لآخر , والتى على عكس كل التوقعات , لا تزيد الناس إلا إصرارا على السفر بالقطارات , مع التسليم بالقضاء والقدر .
ولنأت بعد هذه المقدمة إلى موضوع هذه السطور , وهو حالة السكة الحديد فى ظل حكم الإسلاميين , هل ستشهد إزدهارا , ام ستحدث لها انتكاسات ؟ هل سيشعر مستخدموها ومعهم العاملون فيها بتغييرات إيجابية فى ظل حكم الإسلاميين أم العكس ؟ الإجابة ستحملها السطور التالية .
بداية ينبغى أن نفهم جيدا انه بالرغم من أن السكة الحديد هى هيئة خدمية , لكنها ينبغى أن تكسب وأن تربح , وإلا فستكون عبئا على موازنة الدولة , مما يهددها بالتوقف , وهو ما كاد يحدث فى أيام الرئيس السادات -رحمه الله- , والأمر لا يتعلق باحتمالية توقف النشاط بسبب الخسائر فحسب , بل باحتمال مشرق أيضا عندما تتم معظمة الموارد , حيث يمكن للسكة الحديد أن تباشر عمليات تطوير وحداتها المتحركة والثابتة وشراء قطارات بموديلات حديثة مثل القطار التوربينى الذى الذى تخطى سنه فى مصر الآن الثلاثين عاما من خلال عائداتها , كما كانت تفعل شركة مصر للطيران فى حقبة الثمانينيات وبداية التسعينيات , فقد كانت تشترى طائرات جديدة وتحدّث أسطولها من خلال عائداتها .
ولهذا فإن أحد أهم معالم الازدهار الذى ستشهده السكة الحديد فى ظل حكم الإسلاميين -بإذن الله- , هو كم المكاسب المالية التى تحققها الهيئة , فإن الإسلاميين وعلى رأسهم الإخوان المسلمون , قد علمهم الإمام البنا أن الأخ الصادق يتسم بعدة سمات أساسية , منها أنه :"قادر على الكسب" , ولهذا نجد الإخوان عموما بارعين فى كسب المال الحلال , وفى مجال الأعمال , كما علمهم الإمام البنا , وهو ما سينعكس على حالة السكة الحديد , أضف إلى ذلك طهارة يد الإسلاميين ورفضهم البات لأى فساد داخل أية مؤسسة , ومن ثم فالكثير من أموال السكة الحديد التى تسرق سنويا ستتوقف سرقتها , وفيما يلى سنتكلم فى بند موارد السكة الحديد , وفى أوجه الإنفاق كليهما إذ كيف تتم معظمة تلك الموارد ؟ وكيف يتم ترشيد أوجه الإنفاق ؟
أولا : ينبغى التوقف عن إستيراد أى شيئ من الخارج , يمكن تصنيعه هنا فى مصر :
فالهيئة تستورد سنويا الكثير من العربات المكيفة من أسبانيا , على الرغم من أن اليد العاملة المصرية الماهرة , قد أثبتت جدارة فى تصنيع عربات مكيفة من خلال شركة سيماف , وأنا كمتابع لشأن السكة الحديد , أعلم أنه منذ حادث قطار الصعيد عام 2002 , قد قام رجال شركة سيماف بتصنيع عربات مكيفة مصرية خالصة أسموها باسم :"نفرتيتى" , وعربات مطورة غير مكيفة أسموها :"حورس" , وكل عربة موجودة الآن ومكتوب عليها :"مطورة" هى كانت من قبل تحمل إسم :"حورس" , لكن لأن الصيانة فى السكة الحديد هى بحق أسوأ ما فيها , فقد توقفت صيانة عربات نفرتيتى وتوقف تصنيع المزيد منها كذلك , وتم تغيير إسم عربات حورس إلى :"مطورة" , ويبدو أن كل ذلك جاء بفعل فاعل لصالح مافيا الاستيراد من الخارج , إذ لماذا نصنع عرباتنا بأنفسنا , فلنستورد من الخارج ولنرح أنفسنا !!
والاستيراد من الخارج يمتد إلى القاطرات الكاملة , وكذلك إلى قطع غيارها من ألمانيا وكندا وأمريكا , ومنذ سنوات قرأت تصريحا لأحد قادة الهيئة يقول فيه ان عدد قطع الغيار التى يحتاجونها لعمل عمرة جسيمة للقاطرة الواحدة يصل إلى حوالى 2000 أو 10000 قطعة !! -أى من الرقمين لا أذكر تحديدا- مع أننا لدينا فى مصر صناعات معدنية متقدمة جدا , ولازلت أرى كم التناقض المعيب فى أن وكالة ناسا قد طلبت من الهيئة العربية للتصنيع منذ سنوات القيام بتصنيع حفار ستستخدمه ناسا على المريخ , بينما لا تستعين سكك حديد مصر بنفس الهيئة فى تصنيع قطع غيار القاطرات ناهيك عن القاطرات الكاملة , وهذا موضوع آخر , فمن المعروف أن كلية هندسة القاهرة بها قسم للسكك الحديدية , ولا أعلم حقيقة ما الدور الذى يؤديه هذا القسم , خاصة أن الهيئة بها مدرسة خاصة بها لتخريج كوادر السكة الحديد من سائقين وفنيين وغيرهم , والذى أراه أن رسالة هذا القسم العلمى بهندسة القاهرة لا تقل عن وضع تصميمات لقاطرات مصرية خالصة , إذ بعد تصنيعها ستستغنى الهيئة نهائيا عن استيراد القاطرات من الخارج والأمر ليس صعبا كما يبدو , ويمكن البدء فيه بعمل تعديلات فى القاطرات المستوردة , بنسب تتعدى 20% حتى يتم تسجيل براءات اختراع بتلك التعديلات , ومن ثم يمكن تصنيع تلك القاطرات المعدلة هنا فى مصر دون الدخول فى مشاكل قانونية مع الشركات المصدرة لتلك القاطرات .
ثانيا : استغلال المحطات الإستغلال الاقتصادى الأمثل :
شيئ غريب ان محطات لمراكز مثل فاقوس بالشرقية , ومطاى بالمنيا , ورشيد بالبحيرة , ودسوق بكفر الشيخ , وطوخ بالقليوبية , لا توجد بها أية كافيتريات باستثناء مطاى , ولا مكاتب لبيع الصحف , ولا أكشاك لبيع مستلزمات الهواتف المحمولة ,  ولا مكتبات لبيع الأدوات الكتابية , ولا أى شيئ من تلك الأشياء التى يحتاجها الناس بكثرة ويقبلون عليها خاصة على محطات السكة الحديد , خاصة أن محطات المراكز يرتادها الألوف المؤلفة يوميا , ومن ثم فوجود مثل تلك المنشآت على أرصفة المحطات سيضمن عائدا جيدا للهيئة جراء دفع إيجارات أماكن تلك المنشآت , وفى نفس الوقت سيفتح أبوابا للرزق للكثيرين .
أما محطة القاهرة فلها كلام خاص بها فى هذا الشأن , فمنذ نحو عامين كاملين والتجديدات قائمة بها على قدم وساق
 , وللحق فإن تلك التجديدات تحوى الكثير من الجماليات , وتستخدم الفاخر من الخامات , بما يتوافق مع قدر واحدة من أعرق محطات السكة الحديد فى العالم , حتى أن محطة قطار القاهرة لا يستبعد أن تقوم هيئة اليونسكو بضمها إلى التراث الإنسانى العالمى بسبب عراقتها وقدمها , وكان يمكن للقائمين على الهيئة مخاطبة اليونسكو فى هذا الشأن , بما كان يمكن أن ينتج عنه تحمل اليونسكو لتكاليف تلك التجديدات , لكن على كل حال فإن تصميمات تلك التجديدات فيها عيبان ما كان للشركة المصممة والمنفذة أن تقع فيهما :
العيب الأول : بيئى :
حيث أن نسبة مساحات الخضرة فى الساحة الخارجية قليلة جدا بالنسبة للمساحة الكلية لتلك الساحة , أضف إلى ذلك ان تعامل الناس مع مساحات الخضرة هذه يكاد يصل إلى حد الإجرام من قزقزة لب , إلى رمى قاذورات , إلى قطف أزهار وغيرها , ومن المعروف أن الاتجاه المعمارى العالمى الآن يتجه إلى توسيع مساحات الخضرة على حساب الكتل الخرسانية , وأنا أتكلم عن محطة القاهرة ليس باعتبارها فقط محطة محلية للسكة الحديد , ولكنها كما قلت هى واحدة من أعرق محطات السكك الحديدية فى العالم , فمحطة قطار القاهرة قد سبقت محطة قطار طوكيو باليابان , ومحطة قطار واشنطن بأمريكا , ومحطة قطار موسكو بروسيا , ومحطة قطار باريس بفرنسا , ومحطة قطار برلين بألمانيا , ومحطة قطار مدريد بأسبانيا , ففى الوقت الذى كانت فيه أماكن كل تلك المحطات إما أحراش كأحراش أفريقيا وإما صحارى , كانت محطة قطار القاهرة عامرة بروادها وقطاراتها , ومشاركة فى صنع تاريخ المنطقة .
وما يقال عن الخضرة فى الساحة الخارجية , يقال عنها داخل المحطة أيضا , إذ كان ينبغى أن يتم وضع الكثير من نباتات الظل ونصف الظل داخل المحطة , مع نظام محكم للرى وللصرف . هذا عن العيب البيئى .
العيب الثانى : اقتصادى :
وهذا هو الذى يتعلق بكلامنا عن الموارد وأوجه إنفاقها , فإنه من المعروف أنه لا توجد موارد لها وزن إلا من خلال التذاكر والاشتراكات , لكن محطة قطار القاهرة كان من الممكن أن تحوى تصميماتها الجديدة منشآت اقتصادية تدر على الهيئة أموالا طائلة , وهذه المنشآت كان من الممكن أن تكون على نفس نمط بوتيكات سور نادى الزمالك , أو سور نادى الترسانة , تلك البوتيكات التى يدر إيجارها سنويا على الناديين أموالا طائلة تساهم فى حل الأزمات المالية للناديين , ولن أتكلم عن النادى الأهلى الذى تخطى كل تلك المراحل , وأصبح له شركات استثمارية ناجحة , تتولى هى الإنفاق على أنشطة النادى , فما يقال عن تلك الأندية الرياضية يمكن أن يقال أيضا عن السكة الحديد وبخاصة محطة قطار القاهرة , حيث يمكن أن تحوى الساحة الخارجية منشآت من هذا النوع الموجود عند سور ناديى الزمالك والترسانة , أو تكون لها شركاتها الاستثمارية الخاصة بها , والتى يكون هدفها معظمة موارد السكة الحديد , وما يقال فى هذا الصدد عن محطة قطار القاهرة يمكن أن يقال عن عشرات المحطات التى يمكن أن تحوى أسوارها بوتيكات ومحلات مثل الموجودة عند سور نادى الزمالك وسور نادى الترسانة .
ثالثا : تنظيم رحلات وأنشطة غير تقليدية :
من أجل المزيد من الموارد ومن النجاح الذى تحققه الهيئة , ينبغى أن تكون هناك إدارة سياحية تتولى تنظيم رحلات غير تقليدية , وأنشطة غير تقليدية , أى باختصار أن تكون مهمة تلك الإدارة جعل السكة الحديد فى جانب من أنشطتها كشركة من شركات السياحة الداخلية , والمثال الذى ينبغى أن يُبنى عليه فى هذا الصدد هو قطار المفاجآت الذى ينطلق فجر يوم شم النسيم من كل عام , حيث لا يعلم الركاب ولا حتى السائق إلى أى مكان سينطلق إلا قبيل تحركه بدقائق , وفى وجود إدارة سياحية بالسكة الحديد , ستكثر مثل تلك الرحلات غير التقليدية التى تجعل من السكة الحديد شركة سياحية ناجحة تعمل فى مجال السياحة الداخلية , فيتم تنظيم الكثير من الرحلات الطلابية والجامعية من خلال السكة الحديد , ولازلت أذكر أن كل رحلات الأقصر وأسوان التى كانت تنظمها إدارة جامعة بنها وقت أن كنا بكلية الزراعة بمشتهر , كان السفر فيها كلها بالقطارات , ويمكن أن تكون غالبية رحلات أندية الدورى بالقطارات , وهذا كله يتوقف على همة ونشاط القائمين على الإدارة السياحية بالسكة الحديد فى إبرام عقود مع كل تلك الجهات لتنظيم رحلاتها وسفرياتها .
ومن الأنشطة غير التقليدية التى يمكن أن يُبنى عليها , فكرة وجود ناد للتسلية داخل القطار , ومنذ سنوات كنت قد رأيت عربة مكتوب عليها :"عربة نادى" , أى أن فكرة وجود ناد داخل القطار هى فكرة قائمة وموجودة بالفعل , صحيح أننى لم أدخل إلى داخل تلك العربة , لكن ما أتوقعه أن تكون بها العاب القهاوى مثل الشطرنج والطاولة  ولا تنس الكوتشينة والدومينو , ويمكن أن توجد بها منضدة تنس طاولة , ومنضدة بلياردو , وألعاب بلاى ستيشن ونت كافيه , ففى حالة تعميم فكرة وجود العربة النادى داخل كل قطار لا تقل رحلته من بدايتها إلى نهايتها عن ثلاث ساعات مثلا , أو حتى فى قطارات الصعيد التى تظل لزمن طويل تجرى على القضبان , فسيكون ذلك كفيلا بتحقيق إيرادات جيدة من كل رحلة , ولا يشترط فى حالة تعميمها أن تكون العربات كلها مكيفة مثل تلك التى رأيتها , بل يمكن تنفيذ ذلك من خلال العربات المطورة العادية خفضا لتكاليف الخدمة وجذبا للركاب .
رابعا : الاهتمام بصيانة ما هو قائم وموجود :
منذ حوالى ثلاثة أشهر قرأت تصريحا لرئيس الهيئة يقول فيه أن قطارات الهيئة تشهد إقبالا غير مسبوق ربما فى تاريخها , وان الهيئة تعتزم استيراد اعداد من العربات من أسبانيا لمواجهة كل هذا الإقبال من الركاب .
إلى هنا والكلام جميل , لكن ما ليس جميلا أبدا هو ما يراه راكب أى قطار قادم من أى مكان من الوجه البحرى ويستعد لدخول محطة رمسيس , حيث ربما يبلغ به الاستغراب مداه عندما يرى كل تلك العربات المهملة المتروكة للصدأ كى يأكلها , وللفئران كى تركبها بدلا منا !!
والمثير للدهشة بحق هو أن أكثر تلك العربات ليست درجة ثالثة أو نحوها , ولكنها عربات مكيفة عادية , وعربات من قطار رجال الأعمال الفرنساوى المميزة بتغطيتها كليا من الخارج بالألوميتال ,  وعربات مكيفة أسبانية! وعربات من القطار التوربينى!! بل وعربات من قطارات النوم !!
فإن كان القائمين على الهيئة لدى كل منهم جهاز تليفزيون مثلا , وحدث له عطل ما , فسيكون التصرف الطبيعى والمنطقى من كل منهم هى المبادرة إلى إصلاح الجهاز وليس رميه فى الزبالة وشراء آخر بديل .
وليس هذا الذى أراه هو موجود فقط فى مدخل محطة القاهرة وحدها , بل فى مدخل محطة طنطا من ناحية الإسكندرية وأيضا من ناحية القاهرة هناك أرتال من عربات الركوب غير المكيفة , وفى مدخل محطة الزقازيق هناك جحافل منها تمتد لعدة كيلومترات فى حوش المحطة باتجاه بنها , وفى كل المحطات الرئيسية لابد من وجود عربات متروكة للصدأ والفئران بدلا من استعمالها لركوب البشر .
وهذا الأمر يفتح ملفا بالغ الأهمية وهو ملف الصيانة فى السكة الحديد , الذى فيه الكثير من الكلام والكثير من الشجون .
هناك مثل دارج يقول :"الخطاب يُقرأ من عنوانه" , وبصفتى نقاش قديم , فإننى أرى كم الإهمال فى الصيانة بالسكة الحديد من خلال دهانات العربات من ناحية , ومن خلال قذارة الشكل الخارجى للجرارات من ناحية أخرى , فبالنسبة للجرارات قد أصبح مشهدا عاديا جدا أن يرى ركاب أية محطة الجرار الذى يقطر القطار القادم إلى محطتهم ملطخ تماما بسائل بترولى أسود اللون , ولا نعلم كيف تم هذا العمل؟ فهل مثلا عندما كان الجرار يملأ خزان وقوده حدثت طرطشة على جسمه من الخارج؟ وهل كل هذا العدد من الجرارات قد حدثت لها نفس العملية؟ وأين نقاشو السكة الحديد لكى يغضبوا من أجل عملهم وتعبهم الذى أفسده الدهر؟
وليست هذه هى المشكلة الوحيدة بالنسبة للجرارات , فالجرار يأتى مستوردا من الخارج مدهونا بدهان دوكو فاخر , لكنه هنا فى مصر يتم دهانه بعد ذلك بعام أو نحوه بدهان زيتى ردئ جدا , وللمرة الثانية أؤكد على أننى نقاش قديم ولا أتكلم فى هذه النقطة من فراغ .
أما دهان العربات ففيه العجب , فالألوميتال الموجود فى كل النوافذ بدلا من فكه وغسله وإعادة تركيبه مثلما يفعل كل من يفهم شيئا فى التعامل مع الألوميتال , أو حتى فكه واستبداله بآخر جديد مع شحن الألوميتال الذى تم فكه لإعادة تصنيعه , إذا بنقاشى السكة الحديد الباشوات يقومون بدهانه بدهان ردئ جدا , وكثيرا جدا ما تختفى قطع الألوميتال ويتم وضع قطع من الحديد الصدئ بدلا منها , والعربات موجودة لا تكذب .
بل ونفس الأمر كان يتم مع ألواح الفرومايكا التى كانت تغطى أسقف عربات الدرجتين الثانية والثالثة العادية قبل اختراع موضة العربات المميزة والمطورة , كانت تلك الألواح يتم دهانها بدهان ردئ جدا بدلا من فكها وتنظيفها , وكأن النقاش الذى يسمونه فى ليبيا :"الزواق" لأنه يزوق أى يزين الحوائط وغيرها هو شيئ مختلف تماما فى السكة الحديد , وهو ما يظهر جليا من خلال الكثير من العربات التى تم دهانها من الخارج حتى المسارات الموضوعة لاستقبال مياه المطار التى تسيل من أسطح العربات على جدرانها الخارجية , أما الأسطح الخارجية فإن النقاشين يكسلون عن الصعود إليها لدهانها , وهو ما ينتج مظهرا تشمئز منه النفوس .
وهناك شيئ آخر لا يعرفه إلا النقاشون والعاملون عموما فى مجال الدهانات , وهو أن سكب الكيروسين على الدهانات الزيتية هى علامة صارخة على قلة الضمير , وعلى الاستخفاف بمن يؤدى إليه هذا العمل , لكن هذا هو الذى يحدث فى دهانات العربات , ومن قبلها دهانات المنشآت , حيث تخفف اللاكيهات بالكيروسين الرخيص الثمن , مما يؤدى إلى إفساد تلك اللاكيهات , وسرعة إصفرار ألوانها إن كانت بيضاء , أو إغمقاق ألوانها إن كانت ملونة , وإلى سرعة انطفاء لمعانها فى الحالتين , ولمن لا يعرف فإن اللاكيهات هى دهانات زيتية مصنوعة من زيوت جفوفة عالية الجودة , ولا ينبغى تخفيفها إلا بالنفض المعدنى أو حتى النباتى , أو البنزين , وفى حالات نادرة بالثنر . ومن يرى المعجون الذى تتم معجنة أسطح العربات به من الخارج يرى كتل موضوعة على تلك الأسطح ومليئة بالتموجات التى يسميها النقاشون :"الريجة" , مع العلم أن معجون الحديد غالى الثمن جدا , لكنه الاستخفاف بأموال السكة الحديد وقلة الضمير التى أشرت إليها من قبل .
كل هذا ونحن نتكلم فى عنوان الخطاب , أما عن الخطاب نفسه فأبدأ الكلام فيه بأن ما يظهر من سياسة الصيانة فى السكة الحديد , هو الاهتمام فقط بما سينجم عنه حوادث مميتة للمئات , أما ما سوى ذلك فلا يهم , والمتبع فيه المثل الدارج عند الحرفيين القليلى الضمير منهم :"مشّى حالك" , فمن العروف لدى كل متابع لشان السكة الحديد أن الاهتمام الأكبر لدى رجال الصيانة فيها هى مجموعة العجلات , سواء فى القاطرات (الجرارات) أو العربات , وهو ما صرح به أحد قيادييى الهيئة منذ سنوات للصحف , أن أكثر اهتمام رجال الصيانة منصب على مجاميع العجلات وتشحيم الرولمان بلى الخاص بها , خوفا من تكسر إحدى تلك العجلات مما يمكن أن تنتج عنه حوادث مروعة , أما ما سوى ذلك فكل شيئ فيه قابل للاخذ والرد , أو إن شئنا الدقة فكل شيئ سوى ذلك قابل للطناش خاصة عند غياب الرقابة والمحاسبة داخل الهيئة أو من خارجها .
إن السياسة الحالية للصيانة داخل الهيئة لا يمكن أن تستمر هكذا على حالها هذا فى ظل إدارة الإسلاميين للسكة الحديد , وذلك حتى يتهيأ كل فرد للعصر الجديد الذى ستعيشه السكة الحديد فى ظل حكم الإسلاميين بإذن الله .
لابد أن يتهيأ رجال الصيانة نفسيا وجسمانيا إلى الأعمال الكبرى التى بانتظارهم والتى نسرد بعضا منها :
1- القطارات التوربينية الستة ستعود جميعها إلى العمل , حيث لا معنى لتكهينها , ومن يقرأ مشاركات قراء الصحف على الفيس بوك , لو كان من الصخر لتحرك من فرط تأثره بكم السخط والغضب بسبب تكهين تلك القطارات التوربينية التى تمثل أيقونة للسكة الحديد , وإعادة تلك القطارات كلها إلى العمل ليس أمرا صعبا , فمثلما استجابت الهيئة وأعادت إلى العمل أحد تلك القطارات , فيمكن إعادة باقى الستة قطارات إلى العمل , فالعربات نفسها لا تحتاج لمجهود خارق فى صيانتها , لأنها مثل أية عربات مكيفة , أما الجرارات فما أظنها تستعصى على خبراء الهندسة الميكانيكية هنا فى مصر , حتى وإن ادى الأمر إلى استبدال محركاتها بمحركات اخرى أسهل فى صيانتها , المهم ان تعود القطارات التوربينية إلى العمل , لأنه أمر محزن حقا أن يحكم بالإعدام على تلك القطارات , وحرمان ركابها منها , وهناك اقتراح سهل وبسيط جدا , وقد يظنها البعض هزلا لكنه ليس كذلك , فالقطارات التوربينية إن كانت مشكلتها فى الجرارات , فيمكن تقفيل مقدمة أى جرار من جرارات الهيئة ولتكن من ماركة :"هنشل" الألمانية تماما مثل مقدمة القطار التوربينى , مع دهانه بألوان العلم الثلاثة : الأحمر والأبيض والأسود , وتركيبه فى استوك واحد مع عربات القطار التوربينى , وهذه الفكرة ستضمن ليس فقط عودة القطارات التوربينية إلى العمل , بل ستضمن كذلك زيادة عدد القطارات التوربينية دون استيرادها , فشركة سيماف لديها الكفاءة لتصنيع عربات مقلدة لعربات القطار التوربينى , والجرار مشكلته تحل مثلما اوضحت , وهذا الحل قد سبقنا إليه مالكو الطفاطف -جمع طفطف- والذين يقومون بتقفيل الجرارات الزراعية ماركة :"نصر" بالصاج ودهانها حيث تبدو تماما مثل جرار القطار القديم الذى كان يعمل بالفحم , وهذا الطفطف رأيته وركبته فى فاقوس , ورأيته كذلك فى مطروح , فبنفس الطريقة يمكن زيادة أعداد القطارات التوربينية السائرة -أو إن شئنا الدقة : الطائرة- على قضبان سكك حديد مصر .
2- كل ما لدى الهيئة من جرارات سيعود للعمل , وفى هذه النقطة هناك ثلاثة أمثلة تسترعى انتباه واهتمام رجال الصيانة فى الهيئة : المثال الأول : منذ نحو خمسة عشر عاما تم استيراد عدد من الجرارات التى لم أكن أعرف مصدرها , لكن صوت محركها يماثل صوت جرارات هنشل الألمانية , وكانت تلك الجرارات مدهونة كلها باللونين الأصفر والأخضر الفاتح , وكانت كلها تعمل فى جر قطارات البضاعة , وكان يقال وقتها انها يتم تشغيلها على قطارات البضاعة لكبحها , ثم تشغيلها بعد ذلك على قطارات الركاب , وفجأة اختفت كل تلك الجرارات , وكأنها لبست طاقية الإخفاء , فتلك الجرارات ينبغى إعادتها إلى العمل مع صيانتها بدلا من استيراد جرارات جديدة لا لزوم لها .
المثال الثانى : أيضا منذ نحو خمسة عشر عاما تم استيراد جرارت -أظنها امريكية- , كنا نتندر عليها بأنها تبصق على الناس!! لأن الجرار منها وهو داخل فى أية محطة , كانت تصدر عنه أصوات تشبه البصاق ! , وكانت كل تلك الجرارات مدهونة بلونين يقسمان جسم الجرار إلى نصفين : الأحمر والرصاصى الفاتح , وفى اول تشغيل لتلك الجرارات بعد استيرادها تم تشغيلها على القطار الأسبانى , حيث كان مشهد القطار الأسبانى المكون من تسع عربات بيضاء , بها خطوط حمراء يبدأ كل خط منها فى عربة وينتهى فى التى تليها وهكذا , مع الجرار ذى اللونين الأحمر والرصاصى الفاتح , كان مشهدا بديعا بحق , السؤال الآن :  أين اختفت كل تلك الجرارات , وإن كان هناك من يمزح ويقول : الله يرحمها!! فأين هى الجثث؟!! فعلى رجال الصيانة الذين ما جيئ بتلك الجرارات إلى مصر إلا بعد تدريبهم على صيانتها , أن يعيدوها إلى العمل وليس استيراد جرارات جديدة لا لزوم لها .
المثال الثالث : منذ عدة سنوات تم استيراد جرارات زرقاء اللون ثبت أنها غير قادرة على جر القطارات والسير بها لمسافة طويلة , وتم تشغيلها فى سحب الاستوكات -جمع استوك وهو القطار بكل عرباته وجراره- من على أرصفة محطة القاهرة إلى الفرز , أو العكس , وفجأة اختفت كلها ولم يعد يظهر منها أى جرار , أين اختفت هى الأخرى؟  وعندما يتم العثور عليها , هل من الصعب على خبراء الهندسة الميكانيكية التوصل إلى العيب الذى يمنع تلك الجرارات من العمل لمسافات طويلة؟ وهل يمكن تشغيلها فى جر قطارات الضواحى فقط ؟
3- كل ما لدى الهيئة من عربات سيعود للعمل : سواء أكانت مكيفة أو مميزة أو عادية , فكل عربة مركونة ومتروكة للصدأ وغيره من عوامل التعرية ستتم صيانتها وإعادتها إلى العمل , وكل ناظر محطة تكون هناك عربات مركونة فى حوش محطته فهو المسؤول عن عدم الإبلاغ عنها .
وإلى هنا وناتى إلى مصير كل تلك الجرارات والعربات التى ستعود إلى العمل , فأين ستعمل خاصة إذا علمنا أن كل الخطوط كاملة العدد بقطاراتها؟ الإجابة تتلخص فى محورين يوضحان كيفية الاستفادة بتلك الثروة المهدرة :
المحور الأول : هو إراحة جرارات وأحيانا استوكات كاملة بواسطة تبديلها فى التشغيل مع تلك الجرارت والعربات , مما ينتج عنه تقليل إهلاكها , وبالتالى زيادة أعمارها ومدد الاستفادة منها وهذا يعرفه جيدا اختصاصيو الهندسة الميكانيكية وكذلك خبراء الاقتصاد .
المحور الثانى : زيادة أعداد القطارات على الخطوط المزدحمة , وزيادة أعداد عرباتها , لتقليل الازدحام بمحطات وقطارات تلك الخطوط , ومن يرى كم الازدحام فى أى قطار سريع متجه من بنها إلى الزقازيق أو العكس سيدرك معنى ذلك , حيث أن زيادة عدد عربات كل قطار بعربتين فقط سيساهم فى تقليل التكدس الحادث بتلك القطارات ومثيلاتها على كل الخطوط , ومنذ سنوات مضت , وأثناء حمى الخصخصة كنت أسمع كلاما من العاملين فى الهيئة الذين كنت أركب معهم القطارات , عن تعمد إلغاء مواعيد لقطارات مزدحمة جدا , وذلك توطئة لإلحاق خسائر متعمدة بالهيئة تمهيدا لخصخصتها , فتلك الخطوط التى معلوم عنها أن قطاراتها مزدحمة لابد من زيادة أعداد القطارات بها للقضاء على الازدحام .
إن على رجال الصيانة بالسكة الحديد أن يشمروا لعهد قادم لن يُسمح فيه بالتقصير أو التراخى , فمن يعمل بالسكة الحديد أولا لأنه يحب السكة الحديد فأهلا به , وأما من يعمل بالسكة الحديد لقبض الرواتب دون عمل فبيته أولى به.
خامسا : تعديل نظام قطع التذاكر وتحصيلها :
نظام قطع التذاكر من خلال الشبابيك الموجودة بالمحطات بحاجة إلى إعادة نظر , كما ان نظام التحصيل داخل القطارات هو الاخر بحاجة إلى إعادة نظر , أى أن منظومة تذاكر السكة الحديد كلها بحاجة إلى إعادة نظر , وذلك من عدة وجوه :
1- ينبغى إعادة نظام العودة اليومية والأسبوعية والشهرية , والتى كان معمولا بها حتى توقفت إثر حادث قطار الصعيد عام 2002 , فإن نظام تذاكر العودة بأنواعه يضمن تقليل خسائر الهيئة بسبب حالات التزويغ , وفى نفس الوقت يرضى الراكب الذى كان يسافر ذهابا وإيابا بسعر الذهاب ونصف الإياب فقط , فكانت الهيئة تضمن أن المسافر على قطاراتها ذهابا , لن يلجأ إلى وسيلة مواصلات اخرى للعودة , وإنما هى السكة الحديد بما معه من تذكرة عودة , وليس ذلك فقط , بل إن الراكب الذى يحمل معه تذكرة العودة , لن يضطر للوقوف فى طابور قطع التذاكر عند عودته , لأنه عندما كان يذهب إلى الشباك لختمها , كان يعطيها لأول الواقفين فى الطابور فيختمها له .
2- تقدير أسعار التذاكر تقديرا عادلا :
لن أتكلم فى الأسعار الحالية للتذاكر , فمع الارتفاع الجنونى فى أسعار كل شيئ , قد أصبحت الأسعار الحالية عادلة , ولن أنس أننى سافرت من القاهرة إلى أسوان فى الدرجة الثانية من القطار الأسبانى ودفعت خمسة وخمسين جنيها فقط , وسافرت من أسوان إلى مدينة مطاى بالمنيا فى القطار المميز ودفعت بضعة وعشرين من الجنيهات فقط , لكن ما أتكلم عنه فى هذه النقطة هو تقدير أسعار التذاكر بناء على ما سيتم ركوبه من قطارات , فلو فرضنا أننى سأركب القطار المتجه من فاقوس إلى الزقازيق والذى يتحرك فى الرابعة صباحا , وطلبت من الشباك تذكرة إلى بنها التى لا يذهب إليها هذا القطار فسيكون حساب الأسعار للرحلة كلها من فاقوس إلى بنها بناء على سعر تذكرة القطار المطور الذى سينطلق من الزقازيق إلى بنها , بالرغم من أننى سأقطع نصف هذه الرحلة فى قطار عادى وليس مطورا , وهذا المثال يتكرر مع الركاب لمرات لا تحصى , حيث يدفعون ثمن خدمة لم يستخدمونها حقيقة , وهى خدمة ركوب درجة لم يركبونها ولمسافة طويلة , والذى أراه تقديرا عادلا فى هذه المسألة هو قطع التذاكر من بدء الرحلة إلى نهايتها من الشباك بأسعار أول قطار ينطلق من نفس المحطة , فلو فرضنا أننى طلبت تذكرة من شباك محطة فاقوس إلى الإسكندرية , فلا يتم قطعها بأسعار القطار المميز الذى سأركبه من طنطا ! وإنما بسعر القطار العادى الذى سأركبه من فاقوس إلى الزقازيق , ثم من الزقازيق إلى طنطا , وفى داخل القطار المميز الذى سأركبه من طنطا إلى الإسكندرية مكملا من خلاله الرحلة سيأخذ المحصل منى الفرق وسيعطينى قسيمة بذلك , هذا هو التقدير العادل تماما للأسعار , والذى يسهل من تطبيقه نشر الماكينات الإليكترونية التى لها شاشة كبيرة , حيث إن نشرها وتعميمها مع برمجتها طبقا لهذا النظام العادل للأسعار , سيساهم فى تقليص حالات التزويغ , وزيادة اقتناع الركاب بعدالة أسعار الركوب , وأنها فى متناول أيديهم .
3- تعديل وتطوير نظام التحصيل داخل القطارات :
وقبل أن أسهب فى الكلام فى هذا الصدد ألتمس العذر من قارئى الكريم , أن أبث بعض روح الدعابة والمرح فى كلامى فى هذا النقطة خروجا من الرتابة والملل , وليس كما قد يفهمه البعض أنه هزل فى موضع الجد .
من المعروف أن كل محصل فى السكة الحديد يحمل معه دفتر قطع التذاكر مثلما يحمل بطاقته الشخصية , ويبدو أن المحصلين يتعاملون مع هذا الدفتر من خلال مبدأ :"دفترك شرفك" ! , حيث لايمكن أن نرى محصلا إلا ومعه الدفتر وهذه مسلمة من المسلمات , والذى أراه أن إدارة الإسلاميين للسكة الحديد لا تسمح باستمرار وجود هذه الدفاتر , لأنه معروف عن الإسلاميين شغفهم بالتكنولوجيا , ولذلك فسيتم جمع تلك الدفاتر من المحصلين ووضعها فى كومة كبيرة فى متحف السكة الحديد الموجود على رصيف رقم 1 بمحطة القاهرة , وتوضع بجانبها ورقة تعريف مكتوب عليها :"كان يا ما كان , فى سالف العصر والأوان , كان محصلو سكك حديد مصر المحروسة , يقطعون التذاكر من خلال تلك الدفاتر العتيقة التى لا نعلم هل بدأ العمل بها منذ أيام توت عنخ آمون أم قبل ذلك بقليل , وكانوا يكتبون على كل تذكرة مقطوعة من الدفتر بيانات حار العلماء والخبراء فى لغتها , هل هى الهيروغليفية , أم الصينية , أم النبش فراخية -نسبة إلى نبش الفراخ-" ا.ه.
والمزمع تطبيقه كبديل لتلك الدفاتر ومن أجل تسهيل وتسريع عمليات قطع التذاكر داخل القطارات , هو تعميم استخدام ماكينات إليكترونية صغيرة , كان المحصلون يستخدمونها بالفعل من بضعة عشر عاما , وكانت الماكينة عبارة عن جهاز صغير طوله يزيد بقليل عن عشرين سنتيمترا , وعرضه عدة سنتيمترات , ومعلق فى رقبة المحصل ويتدلى من العلاقة على صدره أو على بطنه حسب طول المحصل , حيث يكون الجهاز مبرمجا تماما على أسعار تذاكر كل المحطات على الخط , وما على المحصل إلا إدخال إسم محطة ركوب الراكب ومحطة نزوله , وتقوم الماكينة بقطع التذكرة المكتوب عليها كل بياناتها من محطة الركوب ومحطة النزول والسعر وقيمة الغرامة المستحقة والتاريخ , وطبعا كانت تلك الماكينات القليلة العدد مستوردة من الخارج , لكن ما أراه صوابا هو أن تبرم الهيئة عقدا مع إحدى شركات الإليكترونيات العاملة فى مصر , ولتكن شركة بنها للصناعات الإليكترونية , التى لازلت أذكر أن أول جهاز حاسوب جلست أمامه فى حياتى وأنا فى الصف الأول الثانوى كان مكتوبا على شاشته :"شركة بنها للصناعات الإليكترونية" , يتم إبرام عقد معها لتوريد عدد من تلك الماكينات يكفى جميع محصلى السكة الحديد , حيث تختفى الدفاتر وتحل محلها الماكينات , مع التنبيه على المحصلين أن من تتلف ماكينته بسبب سوء استخدامه لها , فبعون الله ستقوم الهيئة بوضع السيخ المحمى فى صرصور ودنه !!
ويراعى فى برمجة تلك الماكينات أن توضع بها جميع أسعار السفر من أية محطة إلى أية محطة , وليس فقط محطات خط بعينه , فمن المعروف أننى لو ركبت قطارا من الإسكندرية إلى طنطا ثم ركبت قطارا آخر من طنطا إلى الزقازيق ثم قطارا , ثالثا من الزقازيق إلى فاقوس , وطلبت من شباك التذاكر قطع تذكرة من الإسكندرية إلى فاقوس فسيقطعها , لكن لو ركبت القطار وطلبت من المحصل قطعها فسيقطعها من الإسكندرية إلى طنطا فقط حيث خط سير القطار , أما مع وجود تلك الماكينات المبرمجة على كل محطات السكة الحديد , فسيكون بإمكان المحصلين داخل القطارات قطع التذاكر من أية محطة إلى أية محطة , وهو ما يفعلونه عند قطع قسائم الطرود , حيث لا يتقيدون بخط سير القطار , فلو ركبت قطارا من فاقوس إلى الزقازيق وطلبت من المحصل داخل هذا القطار قطع قسيمة طرد من فاقوس إلى طنطا فسيفعل .
ويراعى فى البرمجة تقدير أسعار التذاكر التقدير العادل الذى أشرت إليه آنفا , فما يقال فيه عن التذاكر المقطوعة من الشبابيك , يقال ايضا عن التذاكر المقطوعة من الماكينات المحمولة .
 أما عن قيمة الغرامات المستحقة على التذاكر المقطوعة داخل القطارات فلا داعى لعمل أى تعديل فيها , فهى تبلغ خمسين قرشا فى العربات المميزة والمطورة والعادية , وهو مبلغ زهيد لا يسبب مشاكل كبيرة للراكب , وهى حوالى ستة جنيهات فى العربات المكيفة وهو مبلغ ليس كبيرا قياسا على ما يدفعه راكبوا تلك العربات من ثمن للتذاكر المقطوعة من الشبابيك , لكن التعديل الوحيد الذى أراه مناسبا هو أن تكون قيمة الغرامة تصاعدية ومتناسبة مع المسافة مثلما هو الحال فى الطرود , فعندما سافرت من أسوان إلى مطاى بالمنيا , كانت قيمة الغرامة جنيهين ونصف وليس فقط نصف جنيه كما هى قيمة الغرامة فى القطارات المميزة , وبالطبع لا أعلم يقينا هل ما فعله المحصل هو أمر مقرر قانونا أم أنه سرقنى , لكن فى جميع الأحوال أرى أن ما فعله هذا المحصل هو الصواب , وأنه ينبغى أن تكون قيمة الغرامة تصاعدية مع المسافات مثلما هى قيمة التذكرة نفسها , وذلك لزيادة موارد السكة الحديد , وتشجيعا للمحصلين على التحصيل .
سادسا : تطوير منظومة نقل البضائع :
من المعلوم أن النسبة التى تستحوز عليها السكك الحديدية من كعكة نقل البضائع من ضمن وسائل النقل الأخرى هى نسبة ضعيفة , وأن نصيب الأسد من تلك الكعكة يذهب إلى الشاحنات الخاصة المملوكة لأفراد أو لشركات , وقد يكون ذلك راجعا لمرونة وسائل المواصلات الأخرى فى خطوط سيرها , إذ أنها لا تتقيد بقضبان تسير عليها , وهو ما يمكنها من الوصول إلى الأسواق داخل المدن , بل وداخل الأزقة والحوارى , وهو ما لا تستطيعه قطارات البضائع لأنها محكومة بخط سير لا تحيد عنه , لأنها تسير على قضبان .
ولكن هناك مجالات نقل تكاد تكون ميدانا أصيلا للسكة الحديد لا تجاريها فيها وسائل النقل الأخرى إذا أحسن القائمون على الهيئة التخطيط لهذا الأمر وإدارته , وليكن ذلك بإنشاء قطاع إقتصادى فى السكة الحديد مثلما هو موجود فى وزارة الداخلية , فمثلما أن وزارة الداخلية هى وزارة خدمية تؤدى خدماتها الأمنية مجانا أو هكذا يفترض , إلا أن بها قطاع للامن الاقتصادى يرأسه مساعد أول الوزير , ومهمة هذا القطاع تأدية الخدمات الأمنية بمقابل , مثل الحراسات الخاصة وغيرها , وهكذا ينبغى أن يكون الحال فى السكة الحديد , أن يكون بها قطاع اقتصادى مهمته دعم موارد الهيئة دون المساس برسالتها نحو المواطن المصرى , وليكن ضمن إدارات هذا القطاع الإدارة السياحية التى اشرت إليها آنفا , وأما بالنسبة لنقل البضائع , فبإمكان السكة الحديد أن تحقق قفزات كبيرة فى هذا المجال تساعدها فى ذلك العوامل التالية :
أولا : وجود بنية تحتية جيدة لدى الهيئة من عربات النقل المختلفة الأنواع والمناسبة لكل الأغراض , فلدى الهيئة عربات نقل بترول , ولديها عربات نقل مواشى , وديها عربات نقل صخور , ولديها عربات نقل حبوب , ولديها عربات نقل مركبات على اختلاف أنواعها , ولديها عربات نقل طرود على اختلاف أنواعها , ولديها ثلاجات تبريد , ولديها حتى عربات نقل مساجين .
إذن البنية التحتية المتوافرة فعليا لدى الهيئة حاليا تمكنها من تحقيق مكاسب جيدة جدا عن طريق نقل البضائع .
ثانيا : وجود بضائع وأنشطة لا تتم إلا بالسكة الحديد , مثل الصناعات التعدينية التى تحتاج إلى قطارات البضائع لنقل الخامات من أماكن الاستخراج إلى مناطق التصنيع , ومثلها كذلك المحاجر  المنتشرة فى طول البلاد وعرضها , ومثل الصناعات البترولية , حيث أن تسيير قطار واحد يحوى العشرات من عربات نقل البترول من أماكن الاستخراج إلى أحد معامل التكرير , هو أفضل وأبرك من تسيير عشرات من سيارات نقل البترول فى نفس الاتجاه , ومطلوب من القائمين على الهيئة شحذ همتهم أكثر من ذلك فى سبيل تسويق السكة الحديد كشركة نقل بضائع , مثلما تكلمت من قبل فى العمل على تسويقها كشركة سياحية تعمل فى مجال السياحة الداخلية , وما يقال عن البترول والصناعات التعدينية يقال كذلك عن المحاجر , ويقال كذلك عن أنشطة لا حصر لها , وأثناء زياراتى المتعددة للصعيد ألحظ أن هناك خطا للسكة الحديد أنشئ خصيصا لنقل قصب السكر من الحقول إلى مصانع السكر , حيث لم يجدوا وسيلة نقل أفضل من السكة الحديد .
ثالثا : تعديل خريطة نقل البضائع بالسكة الحديد , خذ مثلا منطقة صناعية ضخمة جدا مثل برج العرب , فإن رصيد السكة الحديد من خدمات النقل فيها يكاد يكون صفرا مربعا كصفر المونديال , وكان يمكن الارتفاع بهذا الصفر إلى أرقام فلكية لو أنشات وصلة بسيطة وقصيرة تبدأ من قلب المنطقة الصناعية وقريبا من المصانع , وتنتهى عند محطة برج العرب الواقعة على خط الإسكندرية - مطروح , فتلك الوصلة البسيطة لو تم إنشاؤها , فستكون رافدا جيدا لنقل البضائع المصدرة من برج العرب إلى ميناء الإسكندرية , وهى فكرة أظنها تحتاج إلى التأمل والدراسة , خاصة أن نقل البضائع هناك بالسكة الحديد سيتلافى مخاطر الطرق الأسفلتية من تعطل , ومن اعتداءات , ومن نقص سولار وغيرها كثير .
وفكرة الوصلة هذه ليست جديدة تماما , فقد سبقتها الوصلة العبقرية من مدينة الخارجة بالوادى الجديد إلى ميناء سفاجا بالبحر الأحمر مرورا بقنا , فأصبح هذا الخط منذ إنشائه رافدا لتصدير السلع النادرة بالوادى الجديد عبر ميناء سفاجا , بل وتسويق المواد التى لا يعرف الكثيرون قيمتها مثل أنواع غنية جدا من الأعلاف لا ينتجها إلا الوادى الجديد , ومثلها كانت هناك تصريحات من قادة الهيئة من سنوات عن اعتزامهم إنشاء وصلة بطول ستة كيلومترات تربط ما بين الجيزة ومدينة 6 أكتوبر , ولا أعلم هل صدقوا فى وعودهم أم لا , لكن لو أنشأت تلك الوصلة بحيث تربط ما بين المناطق الصناعية ب6أكتوبر وما بين خطوط السكة الحديد , حيث يمكن أن تصل البضائع من مناطق إنتاجها ب6أكتوبر إلى ميناء الإسكندرية فى مدة قياسية , فستكون تلك ضربة معلم من الهيئة والقائمين عليها .
سابعا : ترشيد الإنفاق :
مثل كل مؤسسات الدولة , فإن للسكة الحديد ميزانية سنوية يتم استقطاعها من الموازنة العامة للدولة , لكن المشكلة ليست فى الميزانية مهما كان حجمها وقدرها , ولكن المصيبة فى طرق إنفاقها .
لنضرب مثالا بسيطا يوضح كم أن الكثير من المسؤولين بالسكة الحديد يعتبرون اموال الهيئة هى أموال حرام , ومن ثم يرون أن نهبها وتضييعها بكل طريقة هو أمر مشروع , حتى لو اقتضى الأمر أن يشتروا بأموال الهيئة حماما ثم يقومون بتطييره!!
المثال هو من محطة أبى كبير بالشرقية , فالمحطة قد تم إدراجها فى خطة تطوير المحطات بالمنطقة كلها مثل محطة فاقوس , ومحطة الزقازيق ومحطة السنبلاوين , لكن ما يتم حتى هذه اللحظة فى محطة أبى كبير يثبت جليا ما قلته منذ قليل , أن من مسئولى السكة الحديد من يعتبرون أموالها أموالا حراما .
فى محطة أبى كبير بدا العمل بالتجديدات منذ ما يقرب من عامين ولم ينته العمل حتى الآن , ويبدو أن ذلك راجع لكون المحطة هى الدجاجة التى تبيض ذهبا للمقاول , فكلما تم الانتهاء من أحد الأعمال , يقوم الناس بعمل إتلافات فيها , مثل عشيقين يكتبان إسميهما حفرا على الحوائط وأشياء سخيفة من هذا القبيل , وطبعا كلما تلف شيئ يقوم المقاول بإصلاحه وكله بثمنه كما هو معلوم .
وفى نفس المحطة تمت عملية إطالة لرصيف 2و3 , ولا بأس بذلك حتى يستطيع ركاب العربات الخلفية النزول , ومن يريدون الركوب يركبون دون عناء , هذا بالرغم من أن عدد القطارات التى هى أطول من الرصيفين معدود على اصابع اليد الواحدة كما يعلم كل من له خبرة بقطارات تلك المحطة , وركاب كل قطار فيها قبل محطة أبى كبير يقومون بوقت كاف بالتحرك باتجاه العربات الأمامية للقطار من اجل النزول على الرصيف , لكن لا بأس لنكن نحن الكبراء ونفترض حسن النية فى عملية الإطالة تلك , لكن ما أجد صعوبة بالغة فى افتراض حسن النية فيه  , هو إنشاء مظلة خرسانية فى الجزء الذى تمت إضافته إلى الرصيف الأصلى , والمظلة ليست مثل كل المظلات المفترض فى سبب إنشائها انها لوقاية الركاب المنتظرين على الرصيف من الشمس الحارقة صيفا ومن المطر شتاء , ولكن مظلات محطة ابى كبير هى -وفقط- لاستنزاف أموال السكة الحديد بصنعة لطافة , فالمظالة بها كميات كبيرة جدا من الخرسانة لا تحتاجها المظلة , وتصميمها الغريب يشمل وضع أجزاء فوق أجزاء منها , اى أن الجزء العلوى من المظلة سوف يظلل الأجزاء السفلية منها!!
والمظلة التى أنشأت على رصيف1 وهو رصيف المحطة محشورة حشرا داخل حيز الرصيف , حيث المكان الذى أنشأت به ضيق جدا بالنسبة لمساحة تلك المظلة , وبناء عليه لن تقوم تلك المظلة فى تظليل الناس إلا فى الثانية عشرة ظهرا فقط , عندما تكون الشمس متعامدة على سطح الأرض , أما سوى ذلك فليس للمظلة فائدة تذكر .
ولن أطيل فى شرح مخالفات الإنشاءات بمحطة أبى كبير فهناك أشياء أخرى لن أذكرها منعا لتطويل , لكننى أريد توصيل الفكرة , من أن من مسؤولى السكة الحديد من يعتبرون أموالها هى أموال حرام , ولذا فهى كلأ مباح لكل ناهب .
من المعلوم ان جزءا كبيرا من ميزانية الهيئة يتم إنفاقه على تلك الإنشاءات والتجديدات , وهو امر جيد إذا ابتعد عن السفه , فبدلا من إنفاق كل تلك الأموال الضخمة على بناء أسوار طويلة أطول من الزمن لمحطات لا تحتاج إلى تلك الأسوار , كان الأليق شراء عربات جديدة من شركة سيماف , التى لا تجد من يشترى إنتاجها إلا سكك حديد مصر .
وطبعا لن أتكلم كثيرا عن سرقات تحدث من عاملين بالهيئة لأجهزة تكييف من العربات المكيفة , بناء على المبدا القائل :"التكييف الذى يحتاجه البيت يحرم على عربات السكة الحديد" , وهو كلام سمعته كثيرا من عاملين بالهيئة كثيرا ما جمعتنى الصدفة بهم أثناء ركوب القطارات .
المهم أننا ينبغى أن نتفق على أن ترشيد الإنفاق لميزانية السكة الحديد من ناحية , وأن التوبة من إثم اعتبار أموالها اموالا حراما -التكرار هنا للتقريع - سيكون بابا هاما جدا للارتقاء بخدمات الهيئة , خاصة أن النهب بها لا يتم برحمة , أو بعقل .
وكل ما سبق متعلق بالعنوان الكبير الذى وضعته فى صدر هذه السطور : كيف يمكن أن تتحول السكة الحديد إلى مؤسسة اقتصادية رابحة ناجحة , دون أى مساس برسالتها نحو المواطن المصرى , او حتى اى مواطن موجود على الأراضى المصرية ؟ إذ كيف يمكن أن يحل الإسلاميون تلك المعادلة الصعبة , من حيث ربحية السكة الحديد , وفى نفس الوقت وفائها بحق أى مواطن يريد الانتقال إلى أى مكان سواء أكانت معه أجرة السفر أم لا؟
وما سيأتى متعلق بالسكة الحديد ما بين الشكل والمضمون , إذ إن هناك بعض النقاط التى يلمسها يوميا راكب قطارات السكة الحديد سنتكلم فى كل منها بشيئ من الإسهاب :
أولا : ما يتعلق بإدارة الحركة :
لن أتكلم فى إدارة الحركة كمتخصص فى هذا المجال يعرف دقائقه وخباياه , ولكن كراكب عادى مثل أى راكب , فالذى أعلمه مثلا أن الكثير جدا من القطارات تتحرك متأخرة من المحطات التى تبدأ سفرياتها منها , وطبعا المثال الأهم فى ذلك محطة القاهرة التى تستحوز على أكبر عدد من السفريات التى تبدأ من أية محطة فى مصر كلها ,  وكنا فيما مضى نعانى من تأخر تحرك القطار من المحطة عن موعده , وهى ملاحظة قد أشار إليها منذ نحو عشر سنوات أستاذنا / فهمى هويدى عندما كان يكتب مقاه الأسبوعى فى جريدة الوفد , فقد تندر بتوصيات من رئيس الوزراء وتوجيهات منه على تحرك القطارات من محطة القاهرة فى موعدها , ووجه التندر كان على كلام كهذا , أن تحرك القطارات فى بداية رحلاتها فى مواعيدها بالضبط هو شيئ بديهى المفترض أنه لا يحتاج إلى توصيات أو توجيهات , لكن لأن تأخر تحرك تلك القطارات قد كثر وانتشر حتى أخذ شكل الظاهرة , فقد خرجت تلك التصريحات من رئيس الوزراء وقتها , ورحم الله زمنا كان الناس يضبطون ساعاتهم على مواعيد القطارات .
مما يقال فى سياق الكلام عن إدارة الحركة , هو التأكيد على التزام السائقين بالسرعات المقررة لهم , وبالمحطات المقررة لوقوفهم , وطبعا فى هذا السياق كلام كثير يعرفه راكبوا القطارات المنتظمين , فبالنسبة للمحطات المقررة للسائقين , فإننا قد اعتدنا منذ زمن طويل على أن القطار هو أقرب إلى التاكسى , حيث إذا كان يركب القطار أحد معارف السائق , فإن السائق يوقف القطار ليس فى محطة غير مقرر له الوقوف فيها , وإنما فى مكان ليست به محطة إطلاقا , لكى ينزل صاحبه أمام بيته بالتمام , وهذا ما أقصده من قولى أن القطار المضروب به المثل فى السرعة والانطلاق كثيرا ما يتحول إلى تاكسى على أيدى السائقين .
وهناك نقطة أخرى فى هذا الصدد تتعلق بالركاب هذه المرة , وهى نقطة أن كل راكب يريد محطة أمام بيته , والكثير جدا من المحطات التى تقف بها القطارات السريعة الآن ما جاءت قرارات الوقوف بها إلا عن طريق مجاملات لنواب فى مجلس الشعب , أو عن طريق مسؤولين كبار فى الدولة , وليس عن طريق دراسة حقيقية لجدوى وقوف هذا القطار فى هذه المحطة أو تلك , والذى أعلمه أن هناك دراسات تتم فى هذا المجال , توصى بخرائط وقوف كل قطار على حده بناء على حالات الازدحام بتلك المحطات , وحالات الكثافة السكانية بما حولها , والأولى هو الأخذ بتوصيات تلك الدراسات دون مجاملات , لأن فتح هذا الباب سيعقبه فتح باب كبير للتسيب والفوضى .
أما بالنسبة لالتزام السائقين بالسرعات المقررة ففيه كلام كثير أيضا , فأنا اذكر منذ حوالى ثلاث سنوات كان سائق القطار المنجه من ميت غمر إلى الزقازيق كان يسير ببطء وبرود حقيقة , فبادرت أنا بتسلق الجرار , وسألته قائلا :"ما هى سرعتك القانونية يا أسطى؟" , فما كان منه إلا أن سألنى مستهزءا :"وما هو شغلك أنت؟ "
فكثير من تلك الحالات تحدث كل يوم , أن السائق يسير بالسرعة التى تعجبه هو وليست السرعة المقررة , والأدهى ان من يشغّل القطار كتاكسى , بمعنى انه يقف بالقطار فى أماكن غير مقرر له الوقوف فيها , يجد أنه قد تأخر كثيرا عن ميعاده , فإذا به يطير بالقطار بسرعة اكبر من السرعة المقررة , وربما أعلى مما تتحمله القضبان على هذا الخط مما قد يسبب ما لا يحمد عقباه .
والأولى لعلاج تلك الاوضاع هو تفعيل عمل اللوحة الإليكترونية التى أعلم انها موجودة داخل مبنى الهيئة , والتى موضح عليها تفاصيل حركة كل قطار فى مصر كلها , وذلك باستخدام تكنولوجيا الGPRS , والتأكيد على أن السائق الذى يوقف جهاز التتبع الموجود فى جراره سيتعرض لجزاء رادع .
وهناك نقطة أخرى فى هذا السياق , وهى مبالغة مسؤولى البلوكات فى اتخاذ الاحتياطات على الطرق المفردة بما يؤدى إلى حالات تأخر طويلة , أو فى سوء تنظيمهم لحركة القطارات على الطرق المفردة بما يؤدى إلى حالات تأخر كثيرة .
فمثلا فى خط الشرق : القاهرة - المنصورة طريق بلبيس , كثيرا ما يقوم المسؤولون بمحطة اولاد سيف بإيقاف قطارات المراكز التى من غير المقرر لها الوقوف بتلك المحطة , وذلك لأن قطارا قشاشا قد تحرك فعلا من محطة بردين إلى اولاد سيف , او لأن قطارا قشاشا قد تحرك من محطة بلبيس قادما إلى اولاد سيف , وكان الأولى أن يتحرك قطار المراكز فى ميعاده وينتظره القطار القشاش فى أقرب محطة , والتنسيق بين مسؤولى المحطات وتجنب العناد فيما بينهم سيحل كل تلك المشاكل .
وعلى نفس الخط , كثيرا ما تتحرك قطارات بضاعة فإذا بمسؤولى الحركة بالمحطات يوقفون قطارات الركاب لمدد طويلة تمر كما لو كانت دهورا , وذلك لكى يتحرك قطار البضاعة الذى كثيرا ما يظل ساكنا فى حوش غحدى المحطات لأسابيع , فالأولى هو إيقاف قطار البضاعة حتى يمر قطار الركاب , وهذا شيئ لا يحتاج إلى مفهومية فى نظرى!!
لكن الممل بحق هو ما يحدث عندما يتحرك قطار أمام قطار , فمثلا لو تحرك قطار بضاعة من محطة أولاد سيف أو بلبيس أمام قطار للركاب , فسينتظر قطار الركاب لمدة لا يعلمها إلا الله حتى يتحرك , ربما إلى أن يصل قطار البضاعة إلى القاهرة!! ونفس الكلام يحدث عندما يتحرك قطار سريع -مراكز وليس سريعا كما هو مفهوم- أمام قطار قشاش متأخر , فسيكون على ركاب القطار القشاش التصرف فى عشائهم لأنهم غن شاء الله لن يتعشوا فى بيوتهم وإنما فى القطار!
هذا مجمل ملاحظاتى عن إدارة حركة القطارات , وكما قلت فإننى أتكلم فيها وأسجل ملاحظاتى عنها كراكب عادى تعرض لكل كلمة كتبها فى السطور السابقة , وما على المختصين بالحركة إلا أخذها بجدية , خاصة أن الكثير منهم لا يعلمون بما يحدث على خطوط السكة الحديد , وهذا ما حدث لى مثيله منذ حوالى عشر سنوات , عندما كان قطار الصالحية القاهرة يسير على هوى سائقه , فيصل بنا متأخرا جدا إلى محطة شبين القناطر , ولحكمة منه -سبحانه- جمعتنى الصدفة بأحد العمال البسطاء بالسكة الحديد , فسألته عن الجهة التى يمكننا أن نشكو لديها هذا الوضع , فأجاب على الفور : إذهب إلى القاهرة واطلب مقابلة المهندس/ محمد الهلاس رئيس الحركة وسترى , ولم أذهب والله إلى المهندس محمد الهلاس , فإن القطار من اليوم التالى مباشرة قد انتظمت مواعيده بقدرة قادر , وكأن رائحة ما قد فاحت فى الأجواء أن هناك من يعتزم الشكوى إلى المهندس محمد الهلاس رئيس الحركة .
وعموما فإن تفعيل تتبع حركة القطارات باستخدام تكنولوجيا الGPRS من ناحية -لا حظ أن الإسلاميين لديهم شغف بالتكنولوجيا كما قلت من قبل- , ومن ناحية أخرى بتفعيل عمل الخط الساخن الموجود رقمه على الصفحة الرئيسية لموقع الهيئة على الشبكة العنكبوتية , كفيلان بحركة أفضل للقطارات .
ثانيا : ما يتعلق بطاقة الدفع المستخدمة :
من المعروف أن الطاقة المستخدمة فى دفع القطارات وتحركها هى الطاقة الكيميائية المتمثلة فى وقود السولار الذى تعمل به كل الجرارات تقريبا , وأيضا تعمل به المولدات المستخدمة فى توليد الكهرباء لتشغيل أجهزة تكييف العربات المكيفة , كل هذا يعمل باستخدام وقود السولار , ولا يستثنى من ذلك حسب علمى إلا القطار التوربينى - رحمه الله وأسكنه فسيح جناته - والذى يعمل باستخدام خليط من الغاز الطبيعى والكيروسين , وربما يكون هذا هو سبب الحوادث المتكررة لاحتراق جرارات القطار التوربينى بما يحتويه من غاز سريع الاشتعال .
مستقبل طاقة الدفع بالقطارات ينبغى أن يتسم بسمتين أساسيتين :
السمة الأولى :
أن يكون مصدر الطاقة المستخدم وفير , وممتد لعقود قادمة , ولا يتأثر بأسعار الدولار أو غيره , ولهذا فإن السولار كمصدر لطاقة الدفع فى القطارات ليس هو المصدر المناسب مستقبلا , هذا إن أردنا تأمين تحرك القطارات دائما وعدم تأثرها يوما ما بنقص السولار أو بنقص الاحتياطى الأجنبى الذى نستورد به السولار , ولهذا ينبغى الاتجاه جديا عند شراء جرارات جديدة من الخارج , أن نقلع عن شراء جرارات تدور بالسولار , وإنما جرارات من التى تدور بالكهرباء , ولا أعنى بذلك جرارات مثل التى تقطر قطارات المترو والترام , والتى تحتاج إلى شبكة كهربية مقامة على طول الخط الحديدى , وإنما جرارات تدور بطاقة الشحن الموجودة فى بطارياتها الداخلية , وذلك مثل السيارات الكهربية التى برعت السبان وبالأخص شركة تويوتا فى إنتاجها , ومنذ حوالى عام طيرت وسائل الإعلام خبر تصنيع الهند لقاطرة جديدة تدور بالكهرباء , وتصل سرعتها إلى 120 كيلومتر فى الساعة , مع عزم يمكنها من جر 100 عربة دفعة واحدة على هذه السرعة , وهذه القاطرة تكاد تكون نموذجيةبالنسبة للظروف المصرية , حيث أكبر عدد من عربات الركاب التى تجرها القاطرات لا يزيد باى حال عن 16 عربة , وهو قطار النوم , ولا يزيد عدد عربات البضاعة التى تجرها القاطرات فى القطار الواحد عن 30 عربة غالبا , كما أن سرعة قطارات الركاب هنا فى مصر لا تزيد باى حال عن 120 كيلومتر فى الساعة , وهذه السرعة لم يتم التصريح بها إلا منذ سنوات قليلة وعلى خطوط محددة , بينما لا تزيد سرعة قطارات البضاعة عن 60 كيلومتر فى الساعة .
وشراء القاطرات التى تدور بالكهرباء ليس هو السبيل الوحيد لتأمين طاقة دفع لا تتأثر بالظروف الاقتصادية المتقلبة , وإنما هناك طرق لا تحصى لذلك :
منها على سبيل المثال , البدء فى تحويل جميع محركات الديزل العاملة حاليا فى الهيئة , من استخدام وقود السولار إلى وقود الهيدروجين , السهل الإنتاج والمتوفر بغزارة .
ومنها : البدء باستبدال محركات الجرارات العاملة حاليا , بمحركات من تلك التى تم ابتكارها من قبل المخترعين المصريين فى العامين الماضيين , فمن تلك المحركات ما يعمل بضغط الهواء , وهو الذى ابتكره أحد أبناء مدينة شبين الكوم بالمنوفية , وهو له طاقة دفع عالية جدا , لدرجة أن أحد الشباب فى ندورة جمعية بنك الأفكار بساقية الصاوى منذ عام مضى , قال أن هذا المحرك يمكنه أن يدفع سفينة كبيرة !
ومن تلك المبتكرات أيضا ذلك المحرك الذى ابتكره شاب صغير إسمه أحمد طه حسبما أذكر , وهو المحرك الذى يعمل بالمياه فقط , دون أية تكاليف أخرى إلا تكاليف إهلاك المحرك , والذى يحتاج لعمرة مثل كل المحركات , لكنه لن يحتاج لوقود .
ومنها تعميم الدفع فى كل الوحدات المتحركة بالقطار , وليس الجرار فقط , حيثمن يتأمل فى منظر عربات قطار رجال الأعمال الفرنساوى المغطاة تماما بالألوميتال , والتى يمكن استبدال ذلك الألوميتال بألواح الطاقة ةالشمسية , والتى توفر لكل عربة من العربات طاقة مهولة , تكفى لتشغيل محرك فى كل عربة , وبهذا يكون القطار المبتكر نموذجا جديدا فى عالم القطارات , من حيث عدم اقتصار الدفع أو الجر على القاطرة وحدها , وإنما تكون كل العربات مدفوعة ذاتيا , وكتحركة بسرعة واحدة كعدة نقاط تتحرك فى نفس الطور كما تقول القاعدة الفيزيائية , ويتم السيطرة على حركة العربات وسرعتها وفرملتها  من خلال لوحة تحكم موجودة لدى السائق .
والسمة الثانية :
أن يكون مصدر طاقة الدفع مأمونا ولا يتسبب فى حرائق كبيرة فى حالة حدوث حوادث , ولهذا ينبغى ابتداء استبعاد فكرة استخدام محركات تدور بالغاز , لنه إن حدثت حادثة -وهذا محتمل دائما- , فسيحدث حريق كبير بسبب الغاز , بل إنه لو حدث حريق فى الجرار أثناء تحركه , فسيكون الغاز هو الوقود الذى يشعل القطار كله فى لحظات  كما هو متوقع .
ثالثا : ما يتعلق بدورات المياه :
من المعروف أن دورات المياه فى القطارات هى أسوا ما فيها , من حيث كل شيئ تقريبا , فلا تتوفر بها مياه أصلا , ولا يتوفر لها الحد الدنى من النظافة , وهذا بالنسبة لدورات المياه الموجودة بالعربات المميزة والأخرى التى ضحكوا علينا وسموها مطورة , بينما لا تتواجد دورات مياه أصلا فى عربات الضواحى , لأنها مصممة أساسا للعمل فى استوكات قطارات الضواحى التى تتوقف فى المحطات الصغيرة , بفارق زمنى ربما لا يتعدى الخمس دقائق بين كل محطة وأخرى , وأما دورات المياه فى العربات المكيفة وعربات النوم , فهى افضل كثيرا وأنظف كثيرا , وهذا فى نظرى لا يعود إلى الاهتمام بدورات مياه العربات المكيفة , بقدر ما يعود إلى توفر المياه فى دورات مياه تلك العربات , فقط توفر المياه التى تنساب من صنابير سليمة تعمل وماتزال موجودة فى أماكنها , ولهذا فإن مجرد توافر المياه فى دورات مياه العربات المميزة والمطورة , كفيل بتحقق نظافة جيدة لدورات مياه تلك العربات , وذلك عن طريقين :
الأول : بشرى :
وهو الذى يعتمد على الجهد البشرى , وأقصد به ملأ خزانات المياه الموجودة أعلى دورات المياه بالمياه , وهو العمل الذى يتقاعس عن أدائه المكلفون بهذا الأمر أو الذى يقع  فى نطاق اختصاصهم , وعندما كنت فى الأقصر منذ أشهر , عاينت عملية ملا الخزانات بالمياه , وذلك فى قطار النوم الذى يتحرك من الأقصر فى حوالى العاشرة ليلا , متجها إلى القاهرة , فعملية مل الخزانات بالمياه يسمونها تغذية , والذى يقوم بهذا العمل هو مشرف الرصيف الذى يقف عليه القطار , وتحت سيطرته مجموعة من العمال أو الفنيين سمهم ما شئت .
ولهذا ينبغى تدريجيا وبتسارع زمنى سريع , تكريس مبدأ عدم استلام رئيس القطار أو قائد القطار - أيا كان منهما من يتسلم القطار إيذانا ببدء سفريته - إلا بعد التأكد من امتلاء خزانات المياه بالمياه , وتمام أداء عملية التغذية كما يسمونها .
والثانى : تقنى :
وهو إدخال تعديل بسيط على تركيب خزانات المياه بالعربات , وذلك بربط كل الخزانات ببعضها , مما يكون شبكة مياه متصلة , تسهل عملية ملء الخزانات كلها , إذ أنه وفقا لهذا التصميم الجديد , سيتم ملء كل خزانات المياه بالقطار عن طريق توصيل خرطوم ملء المياه والموجود على الرصيف بماسورة التغذية الموجودة فى أية عربة من عربات القطار , وذلك لمرة واحدة فقط , ومن خلالها ستمتلئ كل خزانات القطار , مما يكسب العملية كلها سهولة فى الأداء , ويكون توصيل الخزانات ببعضها كما يلى :
من المعروف أن كل عربة قطار بها دورتى مياه فى نهايتها , وفوق كل دورة مياه يوجد خزان المياه الخاص بها , وهو على شكل مخروط مجوف موضوع فوق دورة المياه مباشرة , ومنه تنساب المياه المستخدمة فى دورة المياه , والتصميم المقترح لذلك , هو مد خراطيم قوية ذات قطر مناسب --
فى حدود بوصة ونصف - على طول كل عربة قطار وبداخلها منعا لعمليات التخريب المتوقعة , بحيث تكون بداية الخرطوم من خزان المياه الموجود فوق أحد دورتى المياه ممتدا على طول العربة باتجاه بداية العربة , وعند بداية العربة يتم تركيب نهاية على الخرطوم تسمع بتعشيقها فى نهاية الخرطوم الممتد من العربة الخرى إذا كانت مركبة فى الاستوك ودورات مياهها فى الجهة الخرى , أو بتركيب الخرطوم فى الخزان المقابل الموجود فى العربة المجاورة فى حالة غذا كان وضع العربة المجاورة فى تركيب الاستوك بأن تكون الخزانات مجاورة لنهاية الخرطوم الممتد من العربة الأولى , وفى جميع الحالات يستحسن إعادة تركيب كل الاستوكات بحيث  تكون دورات المياه متجاورة فى كل عربتين ومتقابلة فى العربتين التاليتين وهكذا , على أن يثبت تركيب الاستوكات على ذلك , فإن تم استخدام استوك ما فى رحلة غير رحلته فيتم أخذه كما هو دون فك أى من عرباته أو غجراء اى تعديل عليه .
وفى النهاية ستكون لدسنا فى كل استوك شبكة مياه متصلة يتم ملؤها بعملية توصيل واحدة بين خرطوم الملء على الرصيف وماسورة التغذية الموجودة فى أية عربة على طول امتداد القطار  , أن يكون الممتد على طول العربة هو خرطوم واحد او ماسورة واحدة فى جهة واحدة , مع توصيل الخزانين الموجودين فى كل عربة بماسورة فيما بينهما , وهذا ما يضمن إلى حد كبير توفر المياه فى دورات المياه بالقطارات , كما يضمن نظافة تلك الدورات .
الشيئ الآخر المتعلق بدورات المياه فى القطارات هو الصرف , وهو بدائى جدا , إذ ان الصرف يكون إلى أسفل العربة عبر ماسورة صرف مفتوحة متجهة إلى اسفل , وهذا ما يخلق مشاكل صحية , خاصة فى حالة استعمال دورة المياه أثناء وقوف القطار فى غحدى المحطات!! ومنذ بضعة عشر عاما كنا نجد ملصقات قديمة داخل القطارات تنبه على عدم استعمال دورات المياه أثناء وقوف القطار فى اى محطة , لكن هذا صعب التحقيق خاصة فى قطارات المحافظات , والتى تقف فى كل محطة رئيسية لمدة عشر دقائق كاملة , قد يتخللها استعمال أحد الركاب لدورة المياه أثناء وقوف القطار فى المحطة .
والحل الأفضل لذلك هو أن يكون الصرف إلى طرنشات مركبة فى أسفل جسم العربة , وهو نفس التصميم المتبع بالفعل فى عربات النوم , حيث الصرف يكون إلى طرنشين موجودين أسفل جسم العربة , ويتم تفريغهما فى محطة نهاية سفرية القطار .
وبعد :
 فهذا النموذج لكيفية إدارة وتطوير السكة الحديد , والذى يتكون من شرح وتفصيل للقيمة الكبرى التى تمثلها السكة الحديد فى وجدان الشعب المصرى , ويتكون كذلك من خطط لتحويل السكة الحديد إلى هيئة اقتصادية مدرة للاموال إلى خزانة الدولة , مما يقطع أى كلام حول خصخصتها , ويتكون كذلك من ملاحظات حول شكل ومضمون الأداء داخل السكة الحديد .
 وهذا النموذج وإن كان خاصا بالسكة الحديد , إلا انه يقاس عليه فى كيفية إدارة الإسلاميين لمؤسسات الدولة كلها , وهو ما يتضح من خلال هذا النموذج الخاص بالسكة الحديد من حيث :
1- الدراية الكاملة بكل صغيرة وكبيرة داخل المؤسسة , وعدم التصرف بناء على جهل , وإنما بناء على على دراية وعلم وخبرة .
2- الحب الكبير للمؤسسة , فإن كان كاتب هذا النموذج نشأ على حب السكة الحديد منذ نعومة أظفاره , حيث كان يوم ركوبه القطار منذ كان طفلا هو يوم عيد , فكذلك هناك من الإسلاميين من يحب المؤسسة الفلانية , ولديه الرؤية لتطويرها , وهكذا فى كل مؤسسات الدولة .
3- المحافظة الكاملة على المؤسسة , واليقين بأنها ملك للشعب المصرى وليست ملكا للحكومات , وما الحكومات إلا القائم بدور الأمين على تلك المؤسسات .
والله الموفق والهادى إلى سواء السبيل .
وليد العجمى . فى مسجد مزرعة الفيروز بوادى النطرون . فى أول شهر يونيه 2012 .